مقابلات وحوارات

بشير زعبية بين الصحافة والأدب... تجربة ثرية

ليلي المغربي | 2017/07/10 على الساعة 15:13

ليبيا المستقبل (حوار: ليلى المغربي): في رحلة امتدت عبر أربعة عقود ونيف، بدأها عام 1974 كمراسل صحفي لوكالة الأنباء الليبية، دعمها حبه للكتابة والتعبير، وسبقها بكتابة القصة القصيرة كتلميذ نال عدة جوائز على قصصه القصيرة، ثم أسس عام  1977 قسم التحرير باللغة العربيّة في أول مكتب لوكالة الأنباء الليبية بباريس وهو أول مكتب للوكالة يفتتح خارج ليبيا... كاتب صحفي انتاجه غزير، تميز بالعمق والتنوع، غطى معظم أحداث الوطن العربي وخارجه، والتي تعد حساسة ومؤثرة خلال عمله كمراسل صحفي وحربي، فمن الثورة الايرانية التي تزامنت مع عودة آية الله الخميني إلى إيران، وقابل خلالها بعض قادة الثورة مثل آية الله طلقاني وآية الله منتظري وزار بيت الخميني وكتب انطباعاته الصحفية عن ذلك تحت عنوان "كنت في إيران"، واستطاع من خلالها تقريب صورة ما يجري هناك للجمهور الليبي.

انتقل إلى دمشق عام 1981 وأسس فرع وكالة الأنباء الليبية هناك، وعمل حتى عام1986  مراسلاً صحفياً بين سوريا ولبنان، وغطى ميدانياً بعض فصول الحرب الأهلية في لبنان، خاصة ما عرف بحرب الجبل عام 1983 أو حرب اسقاط اتفاق 17 أيار بين لبنان واسرائيل، وسجل للتلفزيون الليبي أكثر من ريبورتاج  مع شخصيات لبنانية رسمية وشعبية، كالرئيس الياس الهراوي ورئيس الوزراء الراحل رشيد كرامي، وعدد من المقاتلين في الجبهات، وعائلة سناء المحيدلي (مسلمة) وهي أول فتاة تنفد عملية انتحارية في لبنان، ثم عائلة الفتاة لولا عبود (مسيحية) سقطت في مواجهة مباشرة مع قوة للاحتلال الاسرائيلي جنوب لبنان، لتوضيح أن الوطنية في لبنان لم تكن حتكرا على طائفة محددة أو دين معين مثلما كان يشاع... قام أيضاً بتغطية حرب طرابلس لبنان بين قوات حزب التوحيد بقيادة الشيخ سعيد شعبان وقوات الحزب العربي الديمقراطي الموالي لسوريا بقيادة علي عيد، وأجرى مقابلتين صحفيتين مع هاتين الشخصيتين نشرا في عدد واحد من مجلة الموقف العربي التي كانت تصدر بقبرص، ومكنت تلك المقابلتين الجمهور من الإلمام بحقيقة تلك الحرب عبر وجهتي نظر قائديها، كما قام بتغطية حرب بيروت بين ميليشيات الحزب التقدمي الاشتراكي (وليد جنبلاط) وحركة أمل (نبيه بري) من جهة وحركة المرابطين (ابراهيم قليلات)، وأجرى مقابلة مع الأخير قبيل أن تهزم قوته ويجبر على مغادرة لبنان، مبيناً للقاريء من هم سادة بيروت الجدد بعد تلك الحرب وهما(جنبلاط- بري).

كتب بشير زعبية عشرات المقالات الصحفية التي غطت العشرية السوداء في الجزائر خلال التسعينيات من القرن الماضي، كاشفا دور الارهاب في تلك الحقبة.

حضر التحولات الكبرى للقضية الفلسطينية من الاجتياح الاسرائيلي للبنان في يونيو عام 1982 إلى ما عرف بـ«فتح الانتفاضة» عام 1983التي انشق فيها بدعم سوري ليبي زعماء كبار في حركة فتخ عن ياسر عرفات، مثل العقيد أبو موسى وأبو صالح وخالد العملة وغيرهم وأجرى مقابلات صحفية مع هؤلاء القادة، وغيرهم مثل الأمين العام للجبهة الديمقراطية نايف حواتمة، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) وأبو داوود وأبوجهاد، وغطى حادثة طرد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات من سوريا في مايو 1983، وحضر في الجزائر اعلان الدولة الفلسطينية خلال جلسة خاصة للمجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر عام 1985. فيما بعد عمل كأول مراسل محلي ليبي لوكالة أجنبية وهي وكالة الأنباء الفرنسية عام 1992 وتركها اثر تكليفه مديراً عاماً لوكالة الأنباء الليبية، وفي عام 1996  أسس المركز الاعلامي الليبي في القاهرة الذي ضم مكتب وكالة الأنباء الليبية والتلفزيون الليبي، وعمل مديرا له حتى عام – 2008.

كتب عشرات المقالات الصحفية التي غطت العشرية السوداء في الجزائر خلال التسعينيات من القرن الماضي، كاشفا دور الارهاب في تلك الحقبة، ومن 2008 – 2010، كما عمل مستشارا اعلاميا بالسفارة الليبية بالقاهرة، و أثار في الصحافة ومنها مجلة الأهرام العربي، قضايا لفتت اهتمام المسؤولين وتم العمل على معالجتها منها قضية الصيادين المصريين المحتجزون في ليبيا أنذاك، وقضية السجناء الليبيين في السجون المصرية... ويواصل العمل في مجاله الصحفي الأثير والمؤثر، بعد سقوط النظام السابق كلف أواخر العام 2011 كأول مدير لوكالة الأنباء الليبية، معيداً الوكالة للعمل بسبب توقفها جراء أحداث فبراير وبدأ في بناء خط تحريري جديد للوكالة، كمرفق صحفي مهني بعيداً عن الخط الرسمي الموجه الذي كان يغلب عليه إبان النظام السابق. وأسس جريدة « المسار» الليبيّة التي صدرت عن هيئة الصحافة وعمل رئيساً لتحريرها، وكانت تأسيسا لصحافة مهنية جديدة تستوعب معايير المهنة، بما فيها الرأي والرأي الآخر، بعد عقود سادت فيها الصحافة الموجهة والناطقة باسم النظام.

 


 

"أكتب الآن من أجل تحقيق الوفاق الوطني في ليبيا والخروج من الأزمة الراهنة بأقل الخسائر للشروع في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون واحترام حقوق الانسان"

وفي عام 2013 كان من مؤسسي جريدة الوسط الليبية، ويعمل حتى الآن رئيس تحرير لنسختها الورقية وموقعها الالكتروني. ويصف عمله فيها بقوله: "أسسنا بها صحافة ليبيا الجديدة التي تقوم على المعايير المهنية الصحفية المتعارف عليها كالدقة والموضوعية وقوة ومصداقية المصادر، وتمكن (الوسط) أن تتعامل مع الحالة الليبية بكل تناقضاتها وتقدم لقارئها الخبر الكامل والتقرير الموضوعي، رغم الظروف الصعبة وغياب الدولة وسطوة الميلشيات المسلحة، وحالات الاعتداء على الصحفيين من تهديدات وخطف واغتيال أيضا". وتعرضت جريدة الوسط للمصادرة في المنطقتين الشرقية والغربية من ليبيا، وحجب موقعها الالكتروني عام2015  نتيجة خطها المهني المستقل، لكنها حققت في ثلاث سنوات من عمرها انجازاً مهما حيث تحتل حتى الآن الموقع الاخباري الأول في ليبيا، وفق احصاء (اليكسا) والترتيب 22000 عالمياً، ورشح الموقع من قبل منظمة مراسلون بلا حدود لجائزة حرية الصحافة عام 2016... ينتمي للمدرسة الوطنية في الصحافة والأدب، ولمدرسة السهل الممتنع في الكتابة الصحفية، يختلف أحياناً مع الاخرين، في الوطن لاعليه، ولكن خلافاته من النوع المهذب الهادئ، ولذلك هو يحظى باحترام ومحبة كبيرة في الوسط الصحفي والسياسي والثقافي... الأستاذ بشير زعبية كاتب وصحفي وقاص ليبي، يكتب في الصحف المحلية الليبية وبعض الصحف العربية ومواقع على الانترنت، صدرت له مجموعتان قصصيتان: (العابر) و(كان هذا هو الموجز)، اختير لجائزة مؤسسة إعلام القرن القادم (Next Century Foundation Media Awards) الدولية، ولم يكن اختياراً عشوائياً لرجل صحافة من الطراز الرفيع، نتعلم منه ونهتدي بخطواته ومهنيته وأخلاقه وتواضعه وعلمه، يقول عن كتاباته حالياً "أكتب الآن من أجل تحقيق الوفاق الوطني في ليبيا والخروج من الأزمة الراهنة بأقل الخسائر للشروع في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون واحترام حقوق الانسان".

برى العديد من الصحفيين أن إجراء حوار صحفي، أسهل أنواع العمل الصحفي، وقد يكون هذا الأمر صائباً أحياناً، لكنها ليست بالمهمة الهينة، محاورة صحفي أو أديب معروف، فما بالك حين يكون قامة صحفية إعلامية وأدبية كبيرة، كالأستاذ بشير زعبية، بتواضعه وذوقه اللا متناهيان مكنني من التواصل والحديث معه وإجراء هذا الحوار لموقع ليبيا المستقبل......

 


 

- بادئ ذي بدء، حبذا لو يحدثنا الكاتب والصحفي بشير زعبية عن زعبية الإنسان؟

أنا مواطن ليبي متزوج ولدي أربعة أبناء (ولدين وبنتين) مسالم وعاطفي أحلم كثيراً، ومن طبعي الهدوء القابل للانفجار حين أستفز، أمارس عملي حتى الآن بعشق وأتعامل معه حتى الآن كهواية، هاجسي الدائم أن أرضي الناس ولا يكون لي أعداء، هو عمل مجهد دون شك، وأحزن كثيراً عندما يسيء فهمى أحد، كثيراً ما أنصح أبنائي وأصدقائي بألا يمنحوا ثقتهم المطلقة بالآخرين، لكني لم أتبن هذه النصيحة، أحبّ التفاصيل وأغرق فيها أحياناً، أتردد كثيراً، وأجامل أكثر مما ينبغي، ودفعت في غير مناسبة ثمن ذلك.

- لماذا اخترت الكتابة؟ وما هو أول شيء كتبته وقررت أن يكون هو باكورة أعمالك؟

"قصّة «الجفاف» التي كتبتها أواخر السبعينيات ونشرت في مجلة «الفصول الأربعة» في أول الثمانينيات، أعتبرها أولى عهدي بالكتابة الفعلية للقصة القصيرة"

ربما قراءة القصص في وقت مبكر من عمري، أغرتني بمحاولة التقليد وخوض التجربة، أحببت حصة الإنشاء لعلاقتها بعنصري التعبير والكتابة، وكنت على عكس عديد الطلبة أتهرب من الحصص العلمية، خاصة الرياضيات وأحرص على حضور حصة الإنشاء، ولعلها من الصدف القدرية أن يأتي ذلك اليوم الذي يطلب فيه مدرس اللغة العربيّة وهو مصري الجنسية أن يكون موضوع حصة الإنشاء قصة قصيرة يترك اختيار موضوعها لمخيّلة كل طالب، أسعدتني الفكرة، وكتبت أول قصة قصيرة في حياتي في بداية المرحلة الثانوية، وأتذكر كان اسمها «الصراع» وغلب عليها الطابع المأساوي، وتعبيراً عن استحسانه للقصة أهداني الأستاذ واسمه صلاح فرج كتاب «أضواء» وهو أحد مؤلفيه ويتضمن شرح مادة اللغة العربية وما زال يسوق في مدارس مصر حتى الآن، فوجئت بأن قصتي أدرجت ضمن المسابقة الأدبية على مستوى المدرسة، وفازت بالترتيب الأول، وفوجئت مرّة أخرى بالقصة تفوز بالترتيب الأول في النشاط المدرسي على مستوى محافظة طرابلس، وأخيراً حازت الترتيب الثاني على مستوى الجمهورية آنذاك، ولم أكن خططت لهذا على الإطلاق، من هنا بدأت أثق في قدرتي على الاستمرار في هواية كتابة القصة القصيرة، نشرت أول قصة لي بعنوان «لو تمطر» العام 1973 في صحيفة الرأي، إلا أنّ قصّة «الجفاف» التي كتبتها أواخر السبعينيات ونشرت في مجلة «الفصول الأربعة» في أول الثمانينيات، أعتبرها أولى عهدي بالكتابة الفعلية للقصة القصيرة، وما زلت أكتب القصة هاوياً، ولذلك أنا مقل في هذا الشأن رغم صدور مجموعتين قصصيتين لي هما (كان هذا هو الموجز 1996م أعيدت طباعتها في 2010م)، و(العابر – 2000م).

- هل من محرمات وخطوط حمراء في فكر الكاتب زعبية؟

غالباً لا تتحدد الخطوط الحمر في فكر الكاتب باختياره، لكن جملة السلوك الاجتماعي والمعيشي، أو ما نسميه بالواقع الثقافي أو نمط الحياة في المجتمع، هو المادة الخام التي قد تتشكل منه ما نسميه الخطوط الحمر، أو ما يعتقده الكاتب كذلك، أما غيرها فإما أن تكون صنيعة النظم الحاكمة، أو المضمون الديني والأخلاقي، وأيضاً هذا يخضع لنمط الحياة الاجتماعي الذي يعيش تحت مظلته الكاتب.

- يظهر ميلك في معظم كتاباتك الأدبية القصصية إلى تحليل النفس البشرية وسلوكياتها الاجتماعية، وسؤالي: هل مرد ذلك إلى دراسة أم محيط عمل أم اهتمام شخصي بحت؟ وهل هو انعكاس فهم للنفس البشرية أم توق إلى فهمها؟

سؤالك يتفق مع توصيف أحد الكتاب الأصدقاء العرب لقصصي حين اعتبرها «ذهنيّة» في الغالب، أنا أجد نفسي في هذا اللّون، وربّما هي بالفعل محاولة للغوص بين ثنايا النفس البشريّة، وبيئتنا غنيّة بالنماذج والشرائح والحالات التي تشجع على الذهاب أكثر في هذا الاتجاه، زد على أن هذا النمط من الكتابة يعطيك مساحة غير محدودة للملاحقة واقتناص التفاصيل، وأنا ذكرت في البداية حبي للتفاصيل.

- كيف تصف المشهد الثقافي اليوم؟ من انتاج ونشاط على صعيد الكتابة ونشاط المنظمات المدنية الثقافية؟

"ربما الحال الذي يعيشه المثقف أو المبدع في ليبيا اليوم هو حال رصد الواقع والتقاط التفاصيل وإيداعها الذاكرة"

لا يمكن التعامل مع المشهد الثقافي في ليبيا إلا ضمن المشهد العام للحالة الليبية، وهو مشهد تلتقي فيه الفوضى والإحساس بغياب الأمان والاستقرار والعجز عن تحديد تصور واضح ودقيق للقادم، هو مشهد مربك، تغيب فيه المؤسسة وتحضر أحياناً المبادرة الفرديّة على شكل معرض هنا وأمسية أو ندوة هناك وما إليها، غير أن هذه المبادرة تظل خاضعة بدورها لحيّز محدود من الحريّة التي تسمح للمثقف بالتحليق في فضاء الإبداع، تصدّر السلاح للمشهد العام في ليبيا أيضاً أجبر بالضرورة المثقف على التراجع إذ ليس هذا هو ميدانه ولا فضاؤه الذي ينتج فيه عطاؤه ليشكل رصيداً مضافاً إلى تراكم إرث بلاده الثقافي، ربما الحال الذي يعيشه المثقف أو المبدع في ليبيا اليوم هو حال رصد الواقع والتقاط التفاصيل وإيداعها الذاكرة، لتعبّر عن نفسها في وقت ما عبر دراسة أو عمل إبداعي وما إليه أدباً كان أم فناً.

- مؤخراً حظي المشهد الثقافي الليبي بأقلام نسائية عديدة، كيف ترى هذه المنجزات الأدبية النسائية؟

رغم الجدل التقليدي حول مدى التسليم بثنائية الأدب الرجالي والنسائي، وماهيّة المعايير التي نصنّف هذا الأدب بأنّه الرجالي وأنّ الآخر هو أدب نسائي، وهل تخضع معايير التصنيف إلى مجرّد جنس الكاتب أم إلى المحتوى، فإن صدور أعمال أدبية (روايات) متتالية لخمس كاتبات ليبيات في حيّز زمني معيّن، ناهيك عن النصوص الشعريّة التي تطالعنا كل يوم تقريباً لأصوات شعرية نسائيّة ليبية، يجبرنا كما يجبر النقّاد ومتتبعي الحركة الأدبية في ليبيا على التوقّف كثيراً عند هذه الظاهرة أو الميزة في مسار الحركة وما راكمته من إرث إبداعي، أنا شخصيّاً فخور بهذا الإنجاز، ويبقى على النقاد أن يرصدوا ويحللوا هذه الظاهرة المضيئة في تاريخ الأدب الليبي.

- هل تعول على الثقافة كمخرج محتمل من الفوضى التي تسود ليبيا اليوم؟

في حالة مثل التي تعيشها ليبيا الآن، وفي مجتمع كمجتمعنا ينبغي ألا نتوهم أن الثقافة بالمفهوم الضيق الذي نتعامل معه وفي غياب أجسام ثقافيّة كاتحادات أو نقابات أو جمعيات، يمكن المراهنة عليها كمخرج محتمل من الفوضى التي تعيشها البلاد، وإذا راهنا على ذلك فهذا ظلم للمثقفين، الغائبين عن المشهد العام كأشخاص وكإنتاج نوعي، سواء قلنا لأنهم همّشوا أو همّشوا أنفسهم، والسبب هو تسيّد السلاح للمشهد في البلاد وتأتي وراءه السياسة، ورغم ذلك يحاول المثقف الليبي عبر ما أتيح له من أدوات التعبير المساهمة بفكره ورؤاه وإبداعه وطروحاته التنويرية والتوعوية في الجهود المخلصة من أجل تجاوز هذه المحنة بخسائر أقل، وحتى لا نظلم المثقف الليبي فالحال هذه لا تقتصر عليه هو وحده، لكنها الحال في عموم المنطقة، خاصة التي تعيش أزمات تشبه أزمتنا.

- بالانتقال إلى مجالك الاعلامي، كانت بدايتك مع وكالة الأنباء الليبية.. هل لك أن تحدثنا عنها؟

"نشرت أول مقال سياسي لي عن حرب أكتوبر 1973 في جريدة (الرأي) التي كانت تصدر آنذاك ويرأس تحريرها المرحوم سالم المتناني"

التحاقي بوكالة الأنباء الليبية لعبت فيه الصدفة دورها، كان ذلك أواخر العام 1973، حين قررت وصديقي محمود البوسيفي أن نبدأ مشوار العمل مبكراً، ولم نكن قد أكملنا حينها الشهادة الثانوية، ولم تكن الوكالة في حسباننا، لولا أنّ أحد الجيران كان يعمل بالقسم الفني هناك، فحكى لنا، وما شجعنا أنها كانت قريبة من مكان سكننا (سوق الجمعة) زد على ذلك أننا كنا نمارس النشاط الثقافي في نادي هلال سوق الجمعة عبر لجنته الثقافية التي كنا أعضاء فيها، ونصدر الصحف الحائطية، ونحاول كتابة الخواطر والمقالات الصحفية، ونشرت أول مقال سياسي لي عن حرب أكتوبر 1973 في جريدة (الرأي) التي كانت تصدر آنذاك ويرأس تحريرها المرحوم سالم المتناني، هذا ما شجعنا أكثر على التوجه إلى الوكالة، وهناك استقبلنا بشكل جيّد وتم الترحيب بنا، وأجرى لنا امتحاناً، أتذكر أنه طلب منا أن نكتب تقريراً عن مقاطعة الدول الأفريقية لإسرائيل بعد حرب أكتوبر والقرار العربي بإيقاف تصدير النفط، تجاوزنا الامتحان بنجاح، قابلنا بعدها رئيس التحرير، وكانت وكالة الأنباء الليبية في ذلك الوقت وكالة بمعناها الحقيقي، وبها كوادر مصرية فلسطينية من طراز رفيع تعمل بقسمي التحرير والترجمة والتوثيق، إلى جانب الكوادر الليبيّة من خريجي كليات الإعلام والعلوم السياسيّة وأصحاب الخبرة من مؤسسي الوكالة، وصار معظم هؤلاء يتبوؤون مناصب رفيعة خاصة في وزارة الخارجية، تحت إدارة أسماء عرفت بخبرتها وريادتها للمجال الإعلامي، كمدير الوكالة المرحوم حسني صالح المدير، ورئيس تحريرها المرحوم سليمان العزّابي، ورئيس وحدة المندوبين الأستاذ عبدالله فهمي أطال الله عمره، تم قبولنا كمندوبين متدربين لمدّة ستة أشهر، ثم انطلقنا في عملنا الصحفي، وكنا محظوظين بأن فتحت أمامنا آفاق العمل الصحفي مبكّراً، حيث أوفدت في العام 1977 إلى فرنسا لأعمل محرراً للنشرة العربية بمكتب الوكالة بباريس، وهو أول مكتب متكامل تفتحه الوكالة في الخارج، وهكذا تطورت مراحل العمل إلى أن وجدت نفسي يوماً ما مديراً عاماً للوكالة مرتين، آخرها 2012، وبين التاريخين أوفدت في مهام صحفيّة عدة أهمها عملي كمراسل في دمشق وتغطية أخبار الثورة الإيرانية فور رجوع آية الله الخميني إلى طهران العام 1979.

- ماذا أضافت لك تجربتك وعملك الاعلامي في سوريا ولبنان، وبين طرابلس والقاهرة، تنقلت بين عدة عواصم وعملت بها، أين تجد نفسك؟ وأيها أحببت أكثر وأثيرة لديك؟

"... شكلت تلك المرحلة نقلة كبيرة في حياتي العمليّة والاجتماعيّة وفي تكويني الثقافي والمهني، لكلّ هذا أحببت الشام وآلفت دمشق، وصارت أثيرة إلى نفسي"

سأدمج هذا السؤال بالذي يليه، وأجيب بأنّ مرحلة عملي كمدير ومراسل لمكتب الوكالة في دمشق وامتداد هذا العمل إلى لبنان بحكم الجغرافيا والواقع السياسي آنذاك، إذ كانت دمشق هي المعمل السياسي وما كان يجري على الأرض في لبنان هو في الغالب من منتجات هذا المعمل بشخوصه وأدواته، أستطيع القول إن تلك المرحلة كانت من أهم مراحلي العمرية والمهنية والتكوينية، هناك عملت إلى جانب مراسلين محترفين من مراسلي الصحف العرب والأجانب، وهناك عرفت معنى التغطية الميدانيّة، ومعنى المغامرة، واقتربت من السياسيين من رموز مرحلة الحرب الأهليّة في لبنان، وقابلت قادة فلسطينيين كباراً من أبوعمار إلى أبوجهاد وأبوأياد ونايف حواتمة وأحمد جبريل وطلعت يعقوب وأبوموسى وخالد العملة، وغيرهم، عشت أهم تطورات القضية الفلسطينيّة عن قرب، وحضرت لحظات مفصلية فيها كحركة الانقلاب على أبوعمار تحت اسم فتح الانتفاضة، وحضرت اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر الذي أعلنت فيه الدولة الفلسطينية، عرفت مخيم اليرموك، وعاصرت الاجتياح الإسرائيلي للبنان، دخلت بيت الشهيدة سناء محيدلي ثالث يوم من استشهادها، ونشرت وصيتها في الصحف الليبية، زرت بيت الشهيدة اللبنانية لولا عبود، وتجولت في الجنوب اللبناني وأنجزت تقارير تلفزيونية حول كل هذا، غطيت حرب طرابلس لبنان وقابلت قائدي الطرفين في تلك الحرب الشيخ سعيد شعبان وعلي عيد، وحاورت الرئيس الراحل، الياس الهراوي، وحضرت جولة الحوار اللبناني في جينيف عام 1983، عشت ساعات الرعب التي مرت بها دمشق حين كادت الحرب تنفجر بين رفعت الأسد وشقيقه الرئيس حافظ الأسد، كما كنت شاهداً على موجات الاغتيال والتفجير التي هزت سورية في السنوات الأولى من الثمانينيات، ثم أحداث مدينة حماه، وهناك أيضاً تعرفت على أبرز وجوه المشهد الثقافي وتشرفت بمصادقة شعراء سورية الكبار كنزيه أبوعفش وشوقي بغدادي وممدوح عدوان، وكبار المثقفين كالمفكر المرحوم برهان بخاري والفنان فاتح المدرس والكاتب والقاص المرحوم سعيد حورانيّة، وكذلك شعراء فلسطين كأحمد دحبور وزكريا محمد وغسان زقطان، وغيرهم من الأسماء المهمّة، شكلت تلك المرحلة نقلة كبيرة في حياتي العمليّة والاجتماعيّة وفي تكويني الثقافي والمهني، لكلّ هذا أحببت الشام وآلفت دمشق، وصارت أثيرة إلى نفسي.

- الخطاب الاعلامي الحالي يشوبه الكثير من المعايب، وخاصة خطاب الكراهية والتحريض، برأيك أستاذ بشير ما هي الأسباب؟

"تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا الذي وسع دائرة خطاب الكراهية وجعلته أكثر انتشاراً وتأثيراً وخطورة"

خطاب الكراهية هو أحد أوجه التأزم الأخلاقي الذي تعيشه عديد المجتمعات، ومنها مجتمعنا، وهو نتاج ثقافة التعصب والإقصاء والفرز وعدم تقبّل الآخر ومعادلة من ليس معي فهو ضدي، وكان للسياسة وصراعات وتجاذبات أطرافها دورها الكبير في إنتاج هذا الخطاب عبر المنابر الإعلاميّة لتلك الأطراف، وتوظيفه كلّ ضد خصمه، في ظل مفهوم خاطئ بل متخلّف لإدارة الاختلاف، والخلط بين حرية الإعلام والانفلات الإعلامي، حيث استبدل العقل والمنطق والحجة بتحقير المختلف معه والحط من قدره والتحريض عليه تحت اعتقاد النيل منه، ولعل ما زاد من انتشار وخطورة الخطاب الإعلامي هو زواج السياسة ورأس المال الذي مكن الأخيرة من أن تكون لها وسائلها الإعلامية وتستخدمها كمنصات لإطلاق خطاب الكراهية لتمرير أجندته على حساب النيل من الآخر، كذلك وهو الأهم تطور وسائل الاتصال والتكنولوجيا الذي وسع دائرة خطاب الكراهية وجعلته أكثر انتشاراً وتأثيراً وخطورة، وقد كان لهذا الخطاب الصانع للفتنة نتائج مدمّرة في عديد الأمكنة، ومنها بلادنا، إن غياب التشريعات والضوابط والتقاليد المهنيّة وغياب منظمات المجتمع المدني ساعد كثيراً أيضاً في تداول وانتشار خطاب الكراهيّة.

- في تقييمك الشخصي للحظة الراهنة وكصحفي ورئيس تحرير واحدة من أكبر الصحف والمواقع الاعلامية.. ماهو العنوان الذي تصف به المرحلة؟

بعد 2011 يمكن أن نسميها «فورة إعلامية» من خلال ظهور مئات الصحف وعشرات الإذاعات والقنوات الفضائية، وكان ذلك أمراً طبيعياً في ظرف استثنائي لم تستقر فيه الإدارة، ولم تتبلور فيه مؤسسات الحكومة بعد، من ناحية، ومن ناحية أخرى أن ذلك يعكس تعطش الإعلاميين والصحفيين لمنابر إعلامية حقيقية يمارسون من خلالها عملهم الإعلامي والصحفي بمهنية وحرية، ولم يكن ذلك متاحاً من قبل في إطار احتكار الدولة للإعلام، ثم تحوّلت «القورة» إلى «فوضى» اتسمت بالعشوائيّة وأطيح فيها بالمعايير المهنيّة والأخلاقية وأسيء فيه مفهوم حريّة التعبير، ربما الأقرب هو وصفها بحالة الانفلات الإعلامي، ومقابل كل هذا لا ينبغي أن نتجاهل بعض الجهود التي تحاول التأسيس لإعلام متزن يعتمد المهنيّة بالقدر الذي تسمح به المعطيات الراهنة، وهي محاولات تتكئ على إرث الصحافة الليبية الذي يمتد إلى أكثر من قرن وثلث القرن.

 


 

- ماهي أبرز المكاسب وكذلك الخسائر التي بواجهها الاعلام والاعلامي خلال هذه الاعوام الماضية وحتى اليوم بعد سقوط النظام السابق؟

لا أعتقد أنّ الإعلامي خسر كثيراً لأنه لم يكن أساساً في قلب مطبخ إعلامي حقيقي، لكنّه يحاول أو هكذا ينبغي أن يكسب على المدى البعيد.

- كيف يمكن أن يخرج الإعلام من الأزمات التى تحيط به؟

الإعلام في ليبيا شأنه شأن القطاعات الأخرى مرتبط بالحالة العامة في البلاد، وأزمته هي نتاج أو انعكاس للأزمة العامة التي تعيشها، لذلك يمكن أن نتحدث عن الإعلام ضمن حزمة واحدة مع باقي القطاعات، وخروجه من أزمته مرتبط بتعافي البلاد والشروع في بناء مؤسسات الدولة مع وجود التشريعات التي تنظم الأداء الإعلامي، مع تفعيل القوانين ذات العلاقة، وتشكيل النقابات والاتحادات المعنية مباشرة بالشأن الإعلامي، وعلى رأسها نقابة الصحفيين، وقد يكون مفيداً نقل التجربة التي تبناها الإعلاميون في تونس أخيراً في محاولة لإنقاذ إعلامهم من الانحدار بتأسيس مجلس الصحافة، أمام «نقص التشريعات أدى إلى حالة من الفوضى في القطاع، وإلى سطوة رؤوس الأموال على وسائل الإعلام» بحسب رأي نقيب الصحفيين التونسيين.

- برأيك هل يكفي الاتفاق على ميثاق شرف اعلامي ومدونة للسلوك المهني والأخلاقي، لحل الأزمة الاعلامية؟

ميثاق الشرف أو مدوّنة السلوك هو إجراء ذاتي يتفق عليه أصحاب المهنة فيما بينهم، غير أنه غير ملزم قانونياً، إنما يخضع لأحكام الضمير والالتزام الأخلاقي الذاتي، وتزدحم أرفف المؤسسات الإعلامية وغيرها بمواثيق الشرف ومدوّنات السلوك، لكن لم نر من واضعيها أنفسهم التزاماً ملحوظاً بما ورد فيها من ضوابط، وأنا لا أقلل هنا من أهمية مواثيق الشرف لكن أشدّد على ضرورة الالتزام بمحتواها.

- بين الاعلام والأدب، علاقة وثيقة، كيف يرى زعبية السبيل إلى انسجام الخطى من أجل مسيرة نحو الأفضل؟

الإعلام والأدب في حاجة إلى بعضهما البعض، وإذا اجتمع الاثنان على مستوى الصحافة مثلاً، فسنكسب قصة صحفيّة مصاغة بلغة رفيعة تجذب وتغري القارئ بنسبة أكثر، هنا سنجد أن الإعلام استفاد من الأدب، والصحفي الأديب يضيف إلى الإعلام، بما يملك من مخزون لغوي، إذ يكون أكثر قدرة على إنتاج مادة صحفيّة جذابة ومقنعة إلى حد كبير للقارئ، هنا الإعلام بدوره يمكن أن يسوّق الأدب بما يملك من وسائل النشر والانتشار.

- تم ترشيحك لجائزة دولية تمنحها سنويا مؤسسة اعلام القرن القادم (Next Century Foundation Media Awards)، واعتذرت عن الذهاب لاستلامها، ما الأسباب التي جعلتك تعتذر؟

رشحت بالفعل لجائزة مؤسسة إعلام القرن القادم (Next Century Foundation Media Awards) الدولية، واعتذرت لأسبابي الخاصة عن عدم الذهاب إلى لندن حيث مقر المنظمة وحفل التسليم، ومن شروط منح الجائزة الحضور الشخصي ولا تسلّم غيابياً؟

- ما مشاريعك القادمة اعلامياً وأدبياً؟

لديّ مشروعان يحتاجان إجازة طويلة وتفرّغ لبعض الوقت لإنجازهما، وهما كتاب عن عشريّة التسعينيّات في الجزائر، وقد تابعتها وكتبت عنها في حينها كثيراً عبر مجلّة الموقف العربي التي كانت تصدر في قبرص آنذاك، ويحتاج مني الأمر السفر إلى الجزائر ومقابلة شخصيات سياسية وأكاديميّة وغيرها من الشخصيات التي كانت قريبة جدّاً من تلك الأحداث، أما المشروع الثاني فهو الأهم ويتعلق بكتاب يتضمن تجربتي المهنية على مدى 40 عاماً.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل