مقابلات وحوارات

المناضل الليبي نوري الكيخيا في آخر لقاء صحفي معه يُنشر لأول مرة (2/2)

فاطمة غندور | 2017/05/09 على الساعة 09:42

"دعاية صوت العرب وديماغوجية احمد سعيد وكاريزما عبد الناصر أثرت في شريحة واسعة منا"... "أول عدد من جريدة المعارضة "صوت ليبيا"، طُبع في شقتي التي سكنت بها  - شارع 22 لندن"... "كان هناك حراك فكري وسياسي بين الطلبة، هو ما أُسميه (صراع أخوة) بين الأزهريين والجامعيين"

ليبيا المستقبل (حوار: فاطمة غندور): نوري الكيخيا عرفتهُ مناضلا ليبيا، حينها كنا نتنفس ونترقب أخبار المعارضة ورموزها خارج البلاد، وكانت مانحة للأمل حيث في مُكنتهم ما لم يكن في مُكنة من يعيش بواقع مصادرة كل رأي تأويلا وكيلا للتهم المؤدية للمصير المحتوم لكل مخالف لنظام شمولي، ولم يدُر بخلدي ان ألتقيه يوما، حين هاتفته بطلب اجراء مقابلة صحفية موسعة يسرد فيها سيرته بادرني مرحبا، بمقهى بشارع جامعة الدول العربية بالقاهرة التقيته، رحابة وبشاشة وتواضع ساعة أخبرته بخروجي من انشغال يتعلق بالمشاركة بتقديم وجبة شعبية ليبية في لقاء عربي بمنظمة تراثية مصرية، أثنى على ذلك، وكان أن انطلق في حديثه حول شغفه بالتراث الشفاهي الليبي وأنه لم يفارقه وجدانيا منذ شبابه وحتى لحظتنا..حوارنا استمر لقرابة الساعتين كان في كامل اريحيته أستأذنني في أن يرد على بعض الاتصالات فأعلمته أن لاضير في ذلك فالتسجيل يخصني توثيقا، وبادرني تفضلي واسألي.

 


 

- اذا ما اعتبرنا مكون البدايات محيطك القريب..عقبها أو خارج هذه الدائرة كيف كانت خياراتك؟

التحول الحقيقي لي سياسيا من "نادي ليبيا الثقافي"  بالقاهرة كان مقرهُ بالعتبة، في هذا النادي كان هناك حراك فكري وسياسي بين الطلبة، هو ما أسميه صراع أخوة بين الازهريين والجامعيين، مثلا من الازهريين "الشيخ ميلاد العمروص" صار قاضيا فيما بعد، و اتذكر من الجامعيين كثيرين منهم "علي وريث"، "وابراهيم الغويل" (الذي من يومه أسلامي)، و"عثمان البزيطني"، في "نادي ليبيا الثقافي" كان الجدال والنقاش بين الجامعيين والازهريين وبين كل الأتجاهات والتيارات السياسية.

كنتُ قد انتقلت من الاسكندرية إلى القاهرة حيث كان ابن عمي مصطفى يدرس الهندسة، ووجود  الاغلبية من الطلبة الليبيين جعلني اتجه إلى القاهرة حينها عمري 18 سنة، القاهرة جاذبة فهي المدينة  التي لا تنام، و"النادي الليبي" من جهة أخري مُشتعل بالحوارات والنقاشات بين الطلبة الازهريين والجامعيين الذين ينتمون إلى كل التيارات السياسية التي عرفتها بالمنطقة : قوميون على بعثيين ويساريين وماركسين على أسلاميين، وكذلك هناك تأثير للنوادي العربية الاخرى كالاردنيين والسودانيين من كان لديهم علاقات و تأثير على بعض الليبيين، لقد كان "النادي" يمثل لي كقر لحراك وصراع فكري رهيب، جرائد حائطية ومجلة وبهما كتابات متنوعة ومختلفة، لذا كان "نادي ليبيا الثقافي" بالقاهرة عندئذ أحد المصادر التي أثرت في توجهي السياسي.

- اذا ما تحدثنا عن مسيرة نضالك بالخارج، ما أول محطاتها...؟

النقلة النوعية في حياتي حصلت في باريس ذهبت إليها وعمري 20 سنة، كان ابن عمي منصور- الله يرحمه - قائم بالاعمال بسفارتنا بباريس، وهو من أستقبلني ولم يكن لدي صعوبة للاندماج، عندي لغة فرنسية جئت بها من مدرسة سان مارك، اجتزت عائق اللغة، كانت حرب الجزائر وانا بباريس 1960، في ذلك الوقت اليسار الفرنسي مع استقلال الجزائر، اليسار كان يمثله الحزب الشيوعي الفرنسي وكان حزبا قويا جدا ومعه شخصية كالفيلسوف "جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار"، وكان الحزب كل سنة يعمل أسبوع الفكر الماركسي، كنت أواظب وأحضر كل النشاطات حتى أن منصور ابن عمي كتب لوالدي: نوري يحضر كل المحاضرات ماعدا محاضراته بكلية الحقوق، فرد عليه الوالد : مادام لا يقرأ خليه يروح،   طبعا لم أرجع  إلى ليبيا رغم مُطالبة والدي بالعودة.

- كيف كانت تفاصيل علاقتك بما يدور في محيطك وقتها؟

حينها كثيرا ما غامرت. أول شيء اشتركت في مهرجان الشباب العالمي في هلسنكي بفلندا عام  1962م، الراية الليبية  الوحيدة المرفوعة بيد مشارك ليبي واحد هو أنا... تصوري وفود عديدة مشتركة باعداد كثيرة فمثلا الوفد الكوبي يتكون من 160 مشاركا،  وكنت وحيدا بعلم رفعته ممثلا ليبيا، لن اتحدث عن الصين وشباب دول اخرى، كان مهرجان يعقد كل اربع سنوات... المهرجان هو اولا تعارف بين شباب العالم، وعموما كان هناك مهرجانان حينها: مهرجان الشباب العالمي بترتيب (سبنسر شيب)  تنظمه وترعاه الدول الاشتراكية على رأسها الاتحاد السوفيتي، ومهرجان الشباب الامريكي لقد كانت الحرب البارده. في جيلي معظم الشباب في اوروبا يميلون للمعسكر الاشتراكي فمثلا شباب أوربا كانوا يتظاهروا لأجل كوبا، كوبا الثورة المنبثقة والملفتة سياسيا في الستينات. كنا وقتها نشارك في المظاهرات مثل التظاهر لأجل رمز كـ"باتريس لومومبا"، كان فيه شغف وصخب، أيام جميلة وحلوة، كان عنفوان الشباب... مثلا الحركة الطلابية في اوروبا.. الطلبة الليبيين كانوا ناشطين كنا نحتلوا في السفارات، مما استعيده الان في ذاكرتي  السيد ونيس القذافي- الله يرحمه - كان سفير ليبيا في بون 1965.. وقتها كنا احتلينا السفارة، و شوفي معدن الناس في العهد الملكي - الله يرحمه -  أول قرار أتخذه بأن قال لاحد الموظفين لا تتركوا الطلبة في البرد وهم يتظاهرون اعطوهم بطاطين (يضحك معلقا احنا محتلين للسفارة!)... دائما لا استطيع نسيانه كان يمثل موقف ووعي سياسي، وهو انسان ودبلوماسي محترم، وعلى عكس واحد أخر في "بون" عام 1967(لن اذكر أسمه): وقتها باعتصام بون كان قائم بالاعمال استدعى الشرطة الالمانية طلعونا (أيد وكراع)، القائم بالاعمال من ادخلهم كما لو ان السفارة الليبية استبيحت كما الارض الليبية استبيحت من أجانب، اخرجتنا الشرطة وحققوا معنا، واقصد بهذا أن أبين الفارق بين ونيس القذافي من احتوى المسألة بوعيه بحقنا كشباب وبين القائم بالاعمال في "بون".

في ليبيا صار (كلاش) صدام بين الحكومة والطلاب، خرجت مظاهرات في جامعة في بنغازي وطرابلس واقفلت مدرسة بالابيار ومدرسة صبراته، حينها اتحاد الطلبة عملوا مظاهرة قدام الجامعة الليبية في بنغازي، الطلبة بالخارج تنادوا، طلبه مع طلبة، بأروبا احتل الطلبة الليبيين سفارة لندن، وباريس، وبون وأعتقد سفارة روما، كنا نسمي السفارة بباريس كومونة باريس، والكمونة  تعني ثورة الكومينار ثورة ضد البرجوازية الفرنسية، لما هزمت هذه الثورة  البرجوازية الفرنسية بنوا كنيسة "القلب المقدس " بباريس، كنيسة ضخمة كقربان لفشل الثورة ضد البرجوازية الفرنسية.

- وماذا عن الدراسة هل تركتها، مالذي حصل؟ والوالد والاهل بانتظارك؟

درست طبعا، الاقتصاد كان وجهتي، كنت أعتقد بكل أسف  أن دراسة الاقتصاد أهم من أي دراسة أخري، وقد درسته في برلين الشرقية، فقد كنت أعتقد ان الاقتصاد الاشتراكي هو ما سيٌطور ليبيا، وكان اجتهاد خاطيء اجتهاد سيء! ولكن على كل حال استفدتُ منه عموما، درستُ التبادل في الاقتصاد الدولي او فلنقل التجارة الخارجية استفدت بالتأكيد، ولكن كانحياز الان لو نستعيد الشريط نقول ياريت درست طب أو هندسة (يضحك).

- عاصرت الملك، وتظاهرت ضد سياسته،ما مُراجعاتك اليوم لذلك المشهد الذي كُنته؟

الملك تظاهرنا ضده بالخارج كلما جرت أحداث داخل البلد، كنا نُعبر عن موقفنا من كل حدث، الان على صعيد شخصي أتذكر لما جاء وعاش بالقاهرة كلاجيء زرتهُ بالقاهرة ثلاث مرات واستسمحته، في ظني لم نكن نعرف قيمته، ومافي ذلك شك كنا لم نفهم الواقع الليبي وكانت دعاية صوت العرب وديماغوجية احمد سعيد وكاريزما عبد الناصر اثرت في شريحة واسعة من الجيل (متاعنا)، كنا على ضلال ما في ذلك شك، ولاحقا حتى عبد الناصر اعترف له، ولكن كان تقييمنا للوضع الليبي في العهد الملكي تقييم سطحي، لم يكن فهمنا صائبا، غلبنا حماس الشباب وكنا نعتقد اننا من يحمل الحقيقة فقط، الان عندما نراجع انفسنا نُعيد النظر (طلع كله كلام فشوش).

- سنوات الدراسة كيف قضيتها... ماذا كُنت تفعل؟

كنتُ مهتما بالعمل السياسي، على الصعيد الطلابي كان عندنا نشاط واسع، تكونا كمجموعة من المُتقاربين فكريا على رأسهم صديقي وأخي وحيد بوقعيقيص - شفاه الله- ألتقينا  عام 1960 في باريس، هناك بدأت مرحلة تكوين اتحاد طلبة ليبيين في اروبا، وبالفعل سعينا ومجموعة أخري وكان منها محمد المفتي كان يدرسُ بلندن، ومحمد شنيب (امازيغي) درس في بريطانيا، الدكتور نجيب الهبال تخصصه قانون دستوري الله يرحمه، وأيضا د.محمد عبدالكريم الوافي درس تاريخ في الجامعة الليبية، وعمل دكتوراة في باريس انضم وكان يساهم ونشط بالاتحاد الله يرحمه، وكان معنا أيضا ساسي الحاج من جادو كان من العشرة الاوائل في التوجيهي تم ايفاده للدراسة، وجاء الى طرابلس للسفر منتقلا من جادو الى باريس وكان متغير حياتي كبير عليه لم يحتمله الله يرحمه (تلخبط واجد) اتذكره اول انتظامه لم يكمل دراسته و عاد لليبيا، ودرس في كلية الحقوق بنغازي وكان حصل على امتياز، ثم رجع لأكمال الدكتوراه بفرنسا.

- الوظيفة، الاستقالة، والهجرة... كيف أتخذت قرارك؟

كنت رجعت لبنغازي بعد اكمال الجامعة، عدت الى ليبيا في عام 1968، واشتغلت في وزارة التخطيط  بطرابلس، وبعدها في مؤسسة النفط وكان رئيسي صديقي وحيد بوقعيقيص، كنت بعد خطاب زواة في ابريل 1973م قدمت استقالتي، سمعت الخطاب وبدأ التصعيد وأتذكر أنه جاءني (الفرّاش) يومها صبحت عليه، فرد علي  أصبحت عضوا في اللجنة الشعبية بالمؤسسة!، طلبتُ منه قهوة كعادتي معه، وعقبها كتبت استقالتي الى الاستاذ الدمرداش كان مستشار قانوني بالوزارة، خطاب زوارة قاسم ومفصلي لقراري، بالذات ما تلاه وما قبله في ندوة الفكر الثوري التي هندسها "المهندس الامني في نظام عبد الناصر فتحي الذيب" من أرسله عبد الناصر للقذافي فهندس له ندوة الفكر الثوري، حيث يترصدون الاشخاص لمعرفة ما هي الافكار الموجودة ومن يحملها لتبدأ الأعتقالات، تركت طرابلس، وسافرت لبنغازي فتحت شركة "الخماسية للتجارة العامة" كانت لدي اللغة الالمانية، فاشتركت في معرض دولي لشركة ألمانية شهيرة وحصلت على توكيل وتمثيل لشركاتها بليبيا، ومنها كانت الخط الفاصل بين عملي العام واتجاهي للخاص.

وكان أن غادرتُ  ليبيا 1978 نقلت شغلي من بنغازي الى دسلتون في ألمانيا أسست شركة فيها وأسميتها (بينتا المحدودة) - رقم خمسة بالاغريقية -، حقيقة العمل السياسي أصبح غير مرغوب فيه، وطبعا مشكلة المجتمع الليبي مجتمع صغير، والناس كلها تعرف انتماءات بعضها ومُصنفين : هذا البعثي، وهذا  القومي، وهذا اليساري كلنا نعرف انتماءات بعض. في الخارج أسسنا أول جريدة مُعارضة "صوت ليبيا" صوت الحركة الوطنية الديمقراطية أربعة أشخاص أسسوها: فاضل المسعودي، عبد الرحمن السويحلي، صلاح السويحلي، نوري الكيخيا، اول عدد انطبع في شقتي التي سكنت بها:  شارع 22 بلندن، اول عدد من "صوت ليبيا" صوت الحركة الوطنية، أول مجلة معارضة  لنظام القذافي.

- هل ستنجز كتاب سيروي تؤرخ وتوثق فيه لسيرة نضالية قد تغيب تفاصيلها؟

أن شاء الله كان عقب عندنا جهد، أحاول أن شاء الله، فقط أريد أن أقول أن اول معارض ليبي لنظام القذافي فاضل المسعودي عام 1970وهو من كتب مقالة ردا على مقالة للصحفي المصري "احمد بهاء الدين"، القذافي لم يعجبه المقال فطلب احضار كاتبه بطرابلس، قالوا لفاضل : القذافي يبيك وأنك مطلوب أمنيا، المرحوم "الهادي حموده" وكيل سيارات "سيترويت" بطرابلس، كان ايام حرب الجزائر يهرب سلاح للجزائريين عنده معرفة بمداخل ومخارج الحدودية، " الهادي حموده" ساعد فاضل في الخروج وحذره. عرفته 1958عام، عرفت فاضل المسعودي (يضحك) عرفته مبكرا.

* قال لي الاستاذ نوري الكيخيا: هذا جزء أول كويس، نكونوا على موعد قريب أن شاء الله ونكملك من صديقي: فاضل المسعودي... (هنا حضر من سيلتقيهم بموعد مُسبق الاساتذة اصدقائه: محمود شمام، خليفه البكوش، شكري السنكي....)... أنتظرته لموعد قادم لكن يد القضاء و القدر عاجلته، اذ دخل المستشفى( الطبي) بطرابلس وجرى تسفيرهُ الى تونس التي توفي ودفن فيها - رحمهُ الله.

- راجع الجزء الأول

 


شكري السنكي | 12/05/2017 على الساعة 01:33
شكر وتقدير
سرد جميل.. ممتع وشيق.. وحكايات مليئة بِالمواقفِ والمغامراتِ والأحداث الهامّـة. شكراً جزيلاً أستاذة فاطمـة غندور على عقد هذا الحـوار مع رجل وطني سجل حضوراً نضالياً وطنياً بارزاً على امتداد نصف قرن مِن الزمان، وقد أصبح حواركِ معـه وثيقـة مِن وثائقنا الوطنيّة. رحم الله نوري الكيخيّا وغفـر له وجعل الجنّـة مستقـره ومثـواه، وأجدد شكري وأمتناني واحترامي لكِ أستاذة فاطمــــــة.
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل