فنون وثقافة

الأديب والكاتب القاص/ محمد الزنتاني في حفل تكريمه

يونس شعبان الفنادي | 2017/04/11 على الساعة 13:02

الأديب والكاتب القاص/ محمد الزنتاني في حفل تكريمه أثناء احتفالية إشهار منتدى ألوان الثقافي

يطرز فضاءات قصصه في سلم تنازلي ينقلك إلى أعماق قلبه وفكره. يأسرك اصطفافُ الكلماتِ الرقيقة وهي تشدو راقصة على نغمات يعزفها الأستاذ القاص محمد الزنتاني بعذوبة الصورة القصصية أسلوباً، وخيالاً، وموضوعاً يغرق في هموم وأفكار تظل تعبث بمشاعرك حتى ذروة الانتشاء.

من شيمه الشخصية التواري والعزوف عن الخوض في مهرجانات اللوك وأحاديث قتل الوقت التي يتقنها الليبيون بكل براعة، واختياره طواعية الارتماء في محراب الصمت البليغ الذي يمنحه فرص التأمل العميق لمشاهد وصور وشخصيات ومواقف الحال، ورصد ملامحها بدقة وحرفية صائغ الذهب، وحرصه على أن تظهر سبائكه وقطعه الثمينة بشكل جمالي يضيف قيمة بصرية إلى القيمة المادية لجواهره.

هو من مواليد 19 سبتمبر 1952 بمدينة طرابلس، تفتحت مداركه الأدبية في مدينة سبها خلال مرحلة الستينيات من القرن الماضي وذلك من خلال المجموعات الثقافية التي شكّلها هو وأقرانه منذ مرحلة الدراسة الإعدادية وكونوا بها نواةَ النوادي الثقافية، التي واكبت، اطلاعاً ونقداً ودراسة، كل ما يطرح على الساحة الليبية والدولية من أدبيات وفنون.

عاد الزنتاني بعدها إلى مسقط رأسه طرابلس ونشر قصته الأولى بعنوان"الكشف" التي صرّح بأن صاحبه العزيز عمر أبوالقاسم الككلي هو من اختار لها ذاك العنوان، وهي حازت على اهتمام النقاد لما تضمنته من حرفية في فن السرد والخيال والبناء اللغوي، لينطلق بعدها كأهم الأصوات القصصية في ليبيا منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

نشر القاص محمد الزنتاني مجموعته القصصية الأولى بعنوان "الصهيل"، المتكونة من اثنتي عشرة قصة. كتبت الخمس الأولى منها خلال سنتي 76-1977 بينما السبع الباقيات كتبت بين سنتي 92-1996. وقد أهدى هذه المجموعة إلى صديقه الكاتب عمر أبوالقاسم الككلي مما يبرز شيمة الوفاء والامتنان للصداقة ورفاق زمنها البهي واحترام العيش والملح بشكل دائم. ثم تلى تلك المجموعة إصداره مجموعته الثانية "الصبي والوردة".

وقد أتاحت له فرصة الانفتاح على الثقافة الأوربية ترجمة العديد من الأعمال في الشعر والقصة والمقالة الأدبية،  فيما ضمت مكتبته أربعة عشر مخطوطاً تنتظر الطبع من بينها كتاب توثيقي بعنوان(ملامح وومضات في التاريخ الثقافي والاجتماعي لمدينة سبها)، وديوان شعري.

ولم يكن الزنتاني منفتحاً على الأدب النثري والشعري الأوروبي فحسب بل عشق الموسيقى والأغاني الانجليزية وظل معجباً بالمغني والملحن الأمريكي "بوب ديلن Bob Dylan" منذ بواكير التحاقه بالصالون الأدبي في مربوعة الأستاذ الأديب "عمر أبوالقاسم الككلي" في منزله بحي رأس حسن بمدينة طرابلس في بداية النصف الثاني من السبعينيات.

ولمن لا يعرف الفنان بوب ديلون فإنه مغني وملحن وشاعر وفنان أمريكي يتمتع بصوت رائع ومرن، كان شخصية مؤثرة في الموسيقى والثقافة الشعبية لأكثر من خمسة عقود. وأعماله الأكثر شهرة كانت خلال ستينيات القرن المنصرم، وكلمات أغانيه فيها من الحكمة والاحتجاج الشئ الكثير لأنه كان من الطبقة العاملة والمضطهدة بأمريكا، كما تم استخدام بعض أغانيه كنشيدٍ لحركة الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين والحركة المناهضة لحرب فيتنام.

ويؤدي بوب ديلن أغانيه على الغيتار،البيانو، والهارمونيكا وأصدر أول ألبوم له عام 1962. ونشر حتى عام 1994 ستة كتب من الرسومات واللوحات، وعرضت أعماله في المعارض الفنية الكبرى. وكموسيقي، باع ديلن أكثر من 100 مليون أسطوانة في جميع أنحاء العالم، مما يجعله واحداً من الفنانين الأكثر مبيعاً. وفي مايو 2012 قلده الرئيس الامريكي باراك أوباما وسام الحرية الرئاسي، أما في سنة 2016 فقد نال جائزة نوبل للآداب لاسهاماته الشعرية وأثرها في الأغنية الأمريكية وقد استلمها خلال المدة الماضية في احتفال أثار الكثير من الجدل.

والزائر لصفحة الأستاذ القاص محمد الزنتاني على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك يكتشف صراحته في استرجاع ذكرياته مع بوب ديلن والأمسيات الجميلة التي أمضاها مع موسيقاه وأغانيه والتي من بينها كما يقول (أمسية لا تنسى، قادها عزفا وغناء، كل من العزيزين جدا (عاشور الطويبي) و(عبد الناصر راشد) حيث غنيا معاً بعض روائع بوب ديلن المبكرة والتي كانت تمثل باقتدار، مزجا مذهلا بين الشعر والغناء، وهي طبعا مرحلة مهمة من مراحل التواشج بين الأدب والفن في فترة الستينيات وما اتسمت به من ثقافة تقدمية رائعة).

كما يتبين لزائر صفحته أنه متيم كذلك بأغاني جوان باييز Joan Baez ، والتي رفضت في بواكير انطلاقتها الفنية المبهرة دفع الضرائب التي تذهب لتمويل الحرب في فيتنام، وتعرضت للتحقيق والاعتقال أكثر من مرة ! كما أنه لا يتوانى في نشر العديد من أقوالها على صفحته مثل:

- Songs in heart , music in blood!

- If it's natural to kill , why do men have to go into training to learn how ?!

- As long as one keeps searching , the answers come

وهذه كلها أقوال تنتمي إلى قيم الفن والموسيقى والجمال، وتنبذ القتل والجريمة والفساد والقبح، وتحث على البحث وبذل الجهد وتشرع أبواب الأمل في وجوه المحبين لكل تلك المباديء.

وعند الحديث عن عوالم شخصية وحياة الأديب محمد الزنتاني لا يمكن تجاوز ما سطره الأستاذ الأديب عمر الككلي في مقالته الرائعة بعنوان (إلى جانب صاحبي، على خلفية "الصهيل" صورة تذكارية) عن العلاقة الوطيدة التي جمعتهما وبداية تعرفه عليه. والمقالة وإن بدت نقدية لمجموعة الأستاذ محمد الزنتاني القصصية (الصهيل) فإنها لم تكتف بذاك الدور النقدي الموضوعي فحسب، ولكنها قلبت صحفات التاريخ، لتنبشها وتنقل لنا منها حكاية بداية التعارف بينهما، حيث يقول الأستاذ عمر الككلي (شد انتباهي ببساطته وسلاسته، بمرحه وحس الدعابة لديه. وحيث أنني أعتبر نفسي من المهتمين بحس الدعابة، لذا لابد أن أستطرد قليلا فيما يتعلق بطبيعة حس الدعابة لدى الزنتاني). ويضيف الأستاذ عمر الككلي قائلاً (يمثل لقب الزنتاني نسبة إلى بلدة تعرف بـ(ـالزنتان) يشتهر أهلها بروح الدعابة وسرعة البديهة. لم يعش محمد الزنتاني بمنطقة الزنتان وبين أهلها، لذا ضاع منه، فيما يبدو، نصف هذه الميزة: سرعة البديهة الصانعة للدعابة، واستبقى النصف الآخر: التقاط الدعابة والاستجابة لها بالضحك. فحس الدعابة لديه حس لاقط، وليس باثا. لذا لا نجده يحفل بصنع الدعابة، وإنما ينصرف إلى اكتشافها فيما يحيط به وفيما يسمعه ويقرأه). ويواصل قوله (ليس لأن الاقتدار على كتابة القصة" حل" بمحمد الزنتاني، أو" فاض" منه، بعد أن لم يبق في العمر أكثر مما مضى، فقد مرت أكثر من ثلاثين سنة منذ أن ابتدأ محمد الزنتاني كتابة القصة بشكل ناضج و مبدع (إذ من المسلم به أنه إذا كانت الرسالات النبوية تتأخر، فإن النبوغ، في الآداب والفنون، يبكر)، وإنما لأسباب أخرى، مختلفة تماما، بعضها معلوم، وبعضها الآخر لا يحسن الاستتار).

وتضم تلك المقالة إجابة السؤال الاسترجاعي المهم عما أصاب الأستاذ القاص محمد الزنتاني خلال" الفترة بين الفترتين" الممتدة حوالي خمس عشرة سنة والمقصود بها الفترة بين 1977 و1992، وهي فترة انقطاعه عن الكتابة، والتي يسردها الأستاذ عمر الككلي بقوله (في نهاية سنة 1978 تم احتباس مجموعة من الكتاب الشباب من جيل محمد الزنتاني (كنت أنا من بينهم) ولفقت لهم تهمة صيغتها:" أنهم جميعا انضموا ودعوا [أين المؤسسون؟!] إلى تنظيم شيوعي ماركسي محظور معاد في الغاية والوسيلة لأهداف ثورة الفاتح من سبتمبر العظيمة" وحكم على اثني عشر منهم (من أصل ثمانية عشر متهما) بالسجن المؤبد.

ويبدو أن وجدان محمد الزنتاني، الذي كان يدرك زيف هذه التهمة، وأن محاسن الصدف وحدها (كان قد أوفد من قبل جهة عمله في دورة دراسية إلى بريطانيا خلال تلك السنة) هي التي أنجته من السجن، لم يتحمل هذه الصدمة، فارتبك وارتج، ولم يعد في وارد الكتابة، التي أصبحت مرتبطة بالويل و الثبور.

كما لابد وأن ضمه للخدمة العسكرية لمدة ثمان سنوات، أو تزيد، قد فاقم من حالة الإحباط والخوف لديه فنفى رغبة، أو شهوة، الكتابة التي تسكنه إلى أغْوَر السراديب المظلمة المنسية ...". ويضيف الأستاذ عمر الككلي (ينتمي الزنتاني إلى ذلك الجيل من القصاصين اللليبيين الذين بدأوا ممارسة كتابة القصة ونشرها بين بداية عقد السبعينيات ومنتصفه من القرن الماضي. وكانت أبرز الأصوات القصصية فيه عبد السلام شهاب(انسحب من الكتابة كليا بعد الخروج من السجن) وأنا(ظللت أواصل الكتابة، وإن بشح) اللذين ابتدأنا النشر مع بداية السبعينيات، ومحمد الزنتاني وجمعة بوكليب (انسحاب شبه كلي، والأخير حكم بالسجن المؤبد) والطاهر الدويني (انسحاب كامل، تقريبا) وجميعهم بدأوا النشر مع بداية النصف الثاني من العقد المشار إليه).

ويعود بنا الأستاذ الككلي إلى البدايات وبواكير التعارف فيقول (لا أذكر تفاصيل أول مرة التقيتُ فيها بمحمد الزنتاني. لكنها كانت، بكل تأكيد، في بداية سبعينيات القرن الماضي حين كنا في المرحلة الثانوية، وكانت بمقهى(علاء الدين) بشارع (امحمد المقريف) بمدينة طرابلس، وعبر أصدقاء مشتركين. ومن يومها تطورت صداقتنا. صار يزورني مع أصدقاء في" مربوعة" بيتنا ... وكانت كثيرا ما تزدحم بالأصدقاء.

وشكلت تلك المربوعة، لعدد من مثقفي ذلك الجيل[ من ضمنهم أنا، طبعا]، ما يمكن اعتباره منتدى[ صالونا] أدبياً. فقد شهدت تكون عدد من كتاب ذلك الجيل وأسهمت في بلورة هذا التكون. ورغم أنه لا علم لي برأي الآخرين حول مكانة هذه المربوعة ودورها في مسيرتهم الثقافية، إلا أن هذا لا يمنعني من ذكر عدد من الأسماء التي كان لها نوع من المداومة في التردد عليها: الشعراء عاشور الطويبي ومحمد الفقيه صالح وعلي الرحيبي (الأخيران سجنا، وأقلع الرحيبي عن كتابة الشعر قبل خروجنا من السجن بسنوات عديدة) والقصاصان محمد الزنتاني وجمعة أبوكليب، والناقدان نور الدين النمر ورمضان سليم، والصحفي( الذي ابتدأ قصاصا وناقدا) علي الجواشي، إلى جانب أدباء آخرين كانوا أقل ترددا، وأشخاص مهتمين بالشأن الثقافي من غير منتجي الثقافة....).

وبشيء من التحليل الفني لقصص الأستاذ القاص الزنتاني يرى الأديب عمر الككلي بأنه (يتجلى في قصص محمد الزنتاني نفاذ إلى عناصر المفارقة التي تتناثر متخفية في المواضيع والأشياء، ولكنه لا يصنع منها شيئا مرحا. بل مرا. فلا نعايش في قصصه حالات فرح وسرور أو ابتهاج واقعية (تقدم لنا كواقع في القصة)، والحالات، النادرة، من هذا النوع التي نصادفها في عدد قليل من قصصه تقدم لنا على أساس أنها توهمات وتخيلات تنبتر بالعودة إلى الواقع الضاري.

أما القصاصة العراقية لطيفة الدليمي فقد علقت على قصة الأستاذ محمد الزنتاني التي نشرت بمجلة (الطليعة الأدبية) العراقية في عددها الصادر في 3 نوفمبر 1977 في ملف خصصته للأدب الليبي بقولها (أما محمد الزنتاني في قصة (رجال بلا وجوه) فإنه يمنحنا قصة ذات تركيبة ناجحة صنعها أسلوبه المميز الخاص ومضمونه الحلمي الذي يقترب من عوالم الفنان السريالي (سلفادور دالي)، سوى أن القاص هنا وظف حلمه السريالي ليقدم لنا رؤيته الخاصة عن عالم ممسوخ مرعب يتعالى فيه الزعاق والصراخ وتمحي فيه ملامح وجوه البشر حتى تصبح هاماتهم واجهات مسطحة تنساق خلف أهداف مجهولة دون وعي أو إرادة حرة) وتقول كذلك(بإمكاني أن أميز في قصة الزنتاني هذا العذاب المتألق في وعي إنسان معزول، وأن ألمس حرارة الصبوات التي لم يفصح عنها سوى نحول جسده في حين امتلك جميع الآخرين كروشا متهدلة مما حولهم إلى تلك النماذج البائسة المأخوذة بنمطيتها القاتلة فيما احتفظ البطل المعذب بصبواته السرية التي منحته هذه القيمة المتفردة وميزته عن النسخ المتكررة الأخرى).

أما الكاتبة الليبية عائشة إبراهيم فقد قدمت قراءة في نص القرار للقاص الأستاذ محمد الزنتاني فأكدت أنه (.. تصدمك الحيرة من فحوى رسالته القصصية ]حيث[ يتجسد أمامك (محمد الزنتاني) وهو يعتمر قبعته الأوروبية الغامقة ويطوق عنقه بشال داكن اللون، ويحمل في يده حقيبة بنّية اللون، واضعاً يده في جيب معطفه، يتراءى لك وهو يحرك عدسات نظارته ويبتسم بصمت، ولا شيء غير الصمت، حيث لا يمكنك أن تملك نصّه وتنتزع معانيه إلا إذا كنت حاوياً تراوغ التمنع، أو محظوظاً تسّاقط عليك الأرزاق في لحظة من لحظات القدر. وأحيانا لا المراوغة ولا الحظ بإمكانهما مقارعة ذلك التمنع العجيب كما هو الحال في قصتة المنشورة تحت عنوان: (القرار)، إلا إذا تحايلنا على النص وسلمنا بأنه قصتان في قصة واحدة لها طابع مزدوج، تتضمن حكاية ظاهرية، وأخرى يجري بناؤها في تكتم وخفاء، ثم ندع المجال للقصة الظاهرية لتسرد تفاصيلها، ونتعقب بحذر شديد القصة الخفية (قصة الظل) على غرار (حكومة الظل)، لنتقصّى فكرتها ومؤداها.) وتختتم قراءتها بالقول (.. يمكن الاستعانة بنظرية جبل الجليد لأرنست همنغواي التي تقول إن الحقائق الثابتة هي التي تطفو فوق الماء، في حين أن القواعد التي تُبنى عليها تلك الحقائق تستقر تحت الماء، وهو ما يتفق مع قصة الزنتاني حيث لا يمكنك أن ترى إلا تلك المشهدية الثابتة أما أبعاد تلك المشهدية تحتاج إلى غوص عميق للوصول إليها...).

القاص محمد الزنتاني

عالم من الألق والإبداع .. عشق الحياة بشغف .. وتعذب بالوطن .. وضحى بقلمه ونبوغه وظل يتلو صلواته في محراب الكلمة بصمت ... أوقد شموع فكره بالبهجة والذكريات الجميلة .. وأضاف للمشهد القصصي والأدبي بعضاً من إبداعاته التي تأخرت كثيراً ولكنها حين تجلت في سماء المشهد تسامت عن الكثير مما سبقها وعانقت الإبداع الأصيل بكل جدارة ووفاء للأدب والفكر المستنير وعذوبة المفردة والصورة القصصية الجميلة.

الأستاذ محمد الزنتاني...

هنيئاً للقصة بك...
وهنيئاً لنا بحضورك الباذخ.

تقديم/ يونس شعبان الفنادي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل