فنون وثقافة

"الأشباح"... قصة للكاتبة النيجرية تشيماماندا نقوزي أديتشي

عطية صالح الأوجلي | 2017/03/19 على الساعة 09:03

سرقوا معاشي...!!

اليوم رَأيتُ إكينا  أوكورو ، رجل اعتقدت لمدة طويلة أنه ميت. ربما كان يَجِبُ أنْ أَنحني لأمسك حفنة من الرمالِ، وأرمها عليه، لأتأكد من أنه ليس شبحا. هكذا يفعل أهلنا. لكنني رجل متعلم، بروفيسور متقاعد، عمري واحد وسبعون عاما. والمُفترض أنْني قد تسلّحت بقدر كاف من العلم للضحك على هذه العادات. لذا لمْ أَرْمِ الرمل عليه. على أية حال لَمْ يكن ذلك مُمْكِنناً حتى و لو أردت، فقد التقينا على أرض خراسانية بمبنى خزينة الجامعة.

كنت هناك أَسأل عن معاشي التقاعدي، مرة أخرى. "طاب يومك يا بروفيسور" قال الموظف الجاف المظهر، يوجوكي. "آسف. لم يأت المال بعد." بينما أَومأَ وأعتذر الموظف الآخر، الذي نسيت أسمه، وهو يمضْغ شيئا ما في فمه. لقد اعتادوا هم على ذلك. كما أعتدت أنا. وأعتاد أيضا على ذلك أولئك الرجال الرث الذين تجمعوا تحت شجرة المانجو وهم يَتكلّمون بصوت عال: "لقد سرق وزير التعليم مال معاشي التقاعدي" قال أحدهم. أردف آخر: "بل هو وكيل الجامعة، الذي أودع المال في حسابات توفير خاصة به".

لَعنوا وكيل الجامعة: دعوا أن تضمحل رجولته، أن يعقم أطفاله، وأن يموت من الإسهال. اقتربت منهم، حَيّوني وهزوا رؤوسهم بشكل اعتذاري كما لو أنَّ معاشي التقاعدي أكثر أهميَّةً بطريقةٍ ما مِنْ رواتبهم التقاعدية كسعاة أو سائقين. دَعوني بروفيسور، كما يفعل أكثر الناسِ، وكما فعل الباعة المتجولون الذين يَجْلسونَ بجانب أطباقهم تحت الشجرةِ "بروفيسور! بروفيسور! تعال وأشتر موزَا جيدَاً".

تحدثت مَع فنسينت، الذي كان سائقنا حين كنت عميدا للكلية في الثمانينات: "لم أستلم معاشي التقاعدي منذ ثلاث سنوات يا بروف". قال "هكذا يتقاعد الناس... ويموتون". "يا للأسى" قلت، بالرغم من أنه وبالطبع ما كان بحاجة لي لإخباره كم هو فظيع الأمر. "كيف حالها، يا بروفيسور؟ أَظن بأن حالها جيدً بأمريكا..أليس كذلك؟ " يسأل عن ابنتنا دائماً. كم أوصلنا أنا وزوجتي إبير، لزيارتها في كلية الطب في أنجو. أتذكر عندما ماتَت إبير، جاء مع أقربائه للتعزية وألقى خطبة مؤثرة، وإن كانت  طويلة حول معاملة  إبير الحسنة له عندما كان سائقنا، وكيف أنها أعطته ملابسَ ابنتنا القديمة لأطفاله.

- "نكيرو بخير" قُلتُ.
- "رجاءً بلغها سلامي عندما تحدثها، يا بروفيسور"
- "سأفعل...."

تحدث مطولاً، عن هذه البلاد التي تنكر الجميل، عن طلاب الأقسام الداخلية الذين لا يدفعون في الوقت المناسب قيمة إصلاح أحذيتِهم،.... لَكنَّها تفاحة أدم التي استرعت انتباهي؛ كانت منتفخة بشدة كما لو كانت على وشك أَنْ تثقب الجلد المجعّد لرقبته وتخرج.

فنسينت كان في أوائل ستيناتِه - يتقاعد الموظفون غير الأكاديميين في الستين من عمرهم بدلا من خمسة وستين - لكنه يبدو أكبر.  لم يتبق في رأسه سوى شعر قليلا. أَتذكر ثرثرته التي لا تنقطع عندما كان يوصلني للعمل في تلك الأيام. كما أَتذكر بأنه كان مولعا بقراءة جرائدي، وهو عمل لم أقم قط بتشجّيعه.

"بروفيسور، ألَنْ تَشتري لنا موزا؟ الجوع يَقْتلُنا" قالَ أحد الرجال. كَانَ وجها مألوفا لدي. أعتقد أنه كان بستاني لجارنا البروفيسور إيبوه. نبرات صوته كانت خليطا من الجد والمزح، اشتريت لهم فولا سودانيا وأصابع موز، بالرغم من أن الذي كانوا يحتاجونه حقاً هو بَعْض الرطوبة. بدت وجوههم وأذرعهم مثل الرماد. كنا على أبواب شهر مارس  لكن الطقس الجاف لا زال  هنا: رياح جافّة،  طَقْطَقَة الكهرباء الساكنة على ملابسِي،  أتربة  رملية على رموشِي. استعملت مستحضراَ بكثرة اليوم، وكذلك فازلينا على شفاهِي، لكن الجفاف جعلني أشعر بكفي ويدي مشدودتين. إبير كانت تناكفني لأنني لا أُرطب بشكل صحيح، خصوصاً في مثل هذا الطقس، توقّفُني أحياناً وتْفركُ كريمة النيفيا ببطء على أذرعي، سيقاني،وظهري. "يجب أَنْ نَعتني بهذا الجلد الرائع" كانت تَقُولُ ذلك وسط ضحكة مرحة. كانت تقول أن طبيعة جلدي لطالماً كَانتْ ميزةَ جذابة لي، حيث إنني لم أكن أملك المال مثل الذين تقدموا لطلب يدها. الجلد الذي لا يتشقق. كانت تسميه.

لم أر شيئا مميّزاَ جداً في لوني البني المصفر الغامق، لَكنِّي تعلمت الاعتزاز به  قليلاً بمرور السَنَين، وبتَدليك أيدي إبير. "شكراً لكم، بروفيسور!.." قال الرجال، انغمسوا بعدها في خداع بعضهم البعض حول من سيقوم بالتقسيم. وقفت واستمعت إلى كلامهم. أعلم أنهم تكلموا باحترام أكثر مما اعتادوا لأنني كنت هناك:

- النجارة ما عادت تربح.
- الأطفال  مرضى.
- مشاكل الديون.

ضحكوا كما يفعلون في أغلب الأحيان. بالطبع كانت هناك المرارة، كما يجب أَنْ تكون، لكن أرواحهم ظلت متماسكة بطريقة ما. أتساءل في أغلب الأحيان هل كنت سأصبح مثلهم لولا المال الذي وفرته لي تعييناتي في المكتب الاتحادي للإحصائيات؟ ولو لم تصر نكيرو على إرسالي دولارات لا احتاجها؟. أَشك في ذلك؛ ربما أكون قد تَحدّبتُ  مثل صدفة سلحفاة وسمحت لكرامتي بأن تذوي.

سفن فارغةَ...

أخيرا ودعتهم وخطوت نحو سيارتي، التي كانت قُرْب أشجار الصنوبر التي ينبعث منها الصفير والتي تخفى كليّة التعليم عن الخزينة. كان ذلك عندما رأيت... إكينا  أوكورو. صاح أولاً: "جيمس؟ جيمس نوي، أهذا أنت..؟". وقف بفمه المفتوح. أسنانه ما زالَتْ كاملة. لقد فَقدتُ إحدى أسناني العام الماضي. رَفضتُ أَنْ أذعن لنكيرو وأصلح أسناني، شعرت بالمرارة لرؤية مجموعة إكينا الكاملة.

- "إكينا..! إكينا أوكورو..!!!" سألت بنبرة من لا يستطيع التصديق.

عودة رجل مات منذ سبع وثلاثين سنةً..!!!.

"نعم، نعم" اقترب إكينا أكثر. في حيرة تصافحنا، وتعانقنا. لم نكن أصدقاءَ جيدينَ، إكينا  وأنا؛ لقد عَرفتُه جيّداً في تلك الأيام لأن كل شخص كان يعرفه. هو الذي يعتلي المنصةَ في نادي الموظفين، هو الذي يخطب حتى يصبح أجش ويغرق في العرق، هو الذي يوزع شروحا مبسطة لأفكار الزعيم نيريري، طباعة مشوشة على ورق رخيص.

علماء الاجتماع كان لديهم الكثير من الوقت ليقدسوا الراديكاليين من كل نوع. لكننا نحن رجال العلوم لم نر فيهم سوى سفن فارغةَ. لكننا كنا نرى إكينا  بشكل مختلف. لا ادري لماذا، غفرنا له أسلوبه الجازم وتغاضينا عن كتيباته بل كنا نعجب بطريقة تناوله للقضايا.  لا زال رجلا منكمشا له عيون الضفادع وجلدا فاتح اللون تشوه مع السنين. من يسمع عن شهرته كخطيب سيعاني من أجل إخْفاء إحباطه العظيم عند رُؤيته، فعمق خطاباته يتطلب وسامةَ بطريقةٍ ما. لكن شعبنا يَقُول إنّ الحيوان المشهور لا يَمْلأُ دائما سلة الصياد.

- "أنت حيّ...؟" سَألت. ارتجفت.

لقد مات في أخر مرة رأيته فيها أنا وعائلتي. يومِ 6 يوليو/تموزِ، 1967، اليوم الذي أخلينا فيه بيوتنا بسرعة. كانت بالسماء شمس نارية غريبة حمراء وفي مكان قريب (بوم-بوم-بوم) قصف يدوى كلما تقدم الجنود الاتحاديون. كنا في سيارتنا البيجو404. لوح رجال المقاومة الشعبية لنا من خلال بوابة الحرم الجامعي. أخبرونا أن لا نقلق، أخبرونا بأن المخربين - هكذا كنا ندَعو الجنود الاتحاديين - سيهزمون في ظرف أيام وعندها سنرجع. القرويّون المحليّون، الذين سيلتقطون غذاءهم من صناديق قمامة المحاضرين  بعد الحرب، كانوا يمشون في خط طويل. المئات منهم.، نِساء بالصناديق على رؤوسهن وأطفالهن الرضع ربطوا إلى ظهورهن، أطفال حفاة  يحْملون حزم، رجال يجرون دراجاتهم وهم يحملون البطاطس الحلوة. أَتذكر بأن إبير كانْت تواسي ابنتنا، زيك، حول الدمية التي تركناها  وراءنا في استعجالنا، عندما رأيت سيارة  إكينا  الخضراء . كان يَقُودها بالاتجاه المعاكسَ نحو الحرم الجامعي. دست الفرامل وتوقفت.

"انك لن تستطيع العودة...!" صحت. لكنه لوح وقالَ: "يجب أَنْ أَحْصل على بعض المخطوطات." أَو ربما قال "يجب أَنْ أَحصل على بعض المواد.". اعتقدت بأنه متهوّراً ليعود. فالقصف أصبح  قَريباً جداً وقوَّاتَنا ستطرد المخربين في  أسبوع أَو اثنين على أبعد تقدير. كان الإحساس بعدالةِ قضية بيافرا وبالمناعة الجماعية يغمرنا، لذا لَمْ أقلق كثيرا إلى أن سمعنا بسقوط نسوكا وباحتلال الحرم الجامعي في اليومِ ذاته الذي أخلينَا فيه. كان الذي اخبرنا أحد أقرباء البروفيسور زيك، أخبرنا أيضاً بأنّ اثنين من المحاضرين قد قُتلا. وأن أحدهم قد تجادل مع الجنود الاتحاديين قبل أن يقتل. لم نكن بحاجة إلى من يخبرنا بأنه كان إكينا. ضحك إكينا قائلا "أَنا.... أَنا!" بَدا  رَدِّه مسليا له لأنه ضحك ثانيةً. لكن حتى ضحكه، عندما أستعيده الآن، بَدا مُشَوَّهاً و أجوفا. لا شيء مثل ذاك الصوت الحاد الذي كان يهزّ أرجاء نادي الموظّفين في تلك الأيام.

- "لَكنَّنا رأيناك" قُلتُ. "أتَتذكّر؟ ذاك اليوم عندما أخلينَا الحرم الجامعي؟"

- "نعم" قالَ.

- "قالوا بأنّك لَمْ تَخْرج"

- "لكني خرجت"  أَومأَ  "خرجت. تَركتُ بيافرا الشهر التالي"

"تَركتَ....!".. كان عجيبا شعوري تلك اللحظة، ففي ومضة قصيرة، شعرت بذاك ألاشمئزاز العميق الذي ينتابنا كلما سمعنا عن المخرّبين الذين خانوا جنودنا، خانوا أمتنا الناشئة وقضيتنا العادلة، ليحصلوا على مرور آمن إلى نيجيريا، إلى الملح واللحم والماء الباردِ الذي أبقاه الحصارِ بعيدا عنّا.

- "لا، لا، لم يكن الأمر هكذا، لَم يكن كما تَعتقدُ." تَوقّفَ إكينا، لاحظتُ ارتخاء قميصَه الرمادي عند الأكتاف.

- "سافرت للخارج على طائرة الصليب الأحمرِ، ذهبت إلى السويد."

ثمة اضطراب، حيرة وبعض الخجل. بَدا الأمر الذي غريبا فهذا الرجل كان يحرض الجماهير. أَتذكّرُ كيف كان ينظم الاجتماعات بعد أن أُعلن استقلال بيافرا، احتشدنا في ميدان الحرية، القي خطابه بينما كنا نهتف ونصيح: "يحيا الاستقلال..  يحيا الاستقلال!".

- "ذَهبتَ إلى السويد؟" سَألت.
- "نعم."

لم يقل شيئا آخر. أدركتُ أنَّه لا يريد أن يضيف، لا يريد أن يُخبرَني كيف خرج حيا من الحرم الجامعي أَو كيف تمكن من أن يَكُونَ على تلك الطائرةِ؛ أَعْرفُ عددا من الأطفالِ نقلوا جواً إلى الغابون في أواخر الحرب لكن لم أسمع عن ناس طارت على طائراتِ الصليب الأحمرِ، وفي فترة مبكّرة جداً، أيضاً. ساد الصمت والتوترَ.

- "هَلْ بقيت في السويد طيلة المدة؟" سَألته.

- "نعم. كَانتْ عائلتي بأكملها في أبجانا عندما قَصفوها. لم ينج أحد، لم يعد من سبب للرُجُوع."... تَوقّفَ ليُخرج صوتا قاسيا أراده أنْ يكُونَ ضحكاً لكنه بَدا مثل سلسلة من السعال.

- "أنا كنت على اتصال مع الدكتور أنيا لفترة. أخبرني عن إعادة بناء حرمنا الجامعي، وأعتقد أنه أخبرني بأنك غادرت إلى أمريكا بعد الحربِ."

في الحقيقة، إبير وأنا رجعنا إلى نسوكا مباشرةً بعد انتهاء الحرب في 1970، لكن لعدة أيام فقط. كانت أكثر مما نحتمل. كُتُبنا كانت كومة مُتفحمة في الحديقة الأمامية، تحت شجرة المانجو الظليلة. كتل الغائطِ المُكَلَّسِ في حوضِ الحمام. سجلاتِي الرياضية استعملت كورق مرحاض، الصيغ الرياضية التي دَرستُها وعلّمتُها تم العبث بها.البيانو - بيانو إبير - اختفى. رداء تخّرجي، الذي لبسته لاستلام أولى شهاداتي في إبادان، أُستعمل لمَسْح شيءِ ما. الرداء مرمي الآن يزحف النمل داخلا وخارجا منه، يبدو النمل مشغولا وغافلا عن مراقبتي له. صورنا مُزّقتْ، إطاراتها كسرتْ. لذا تَوجّهنَا إلى أمريكا ولَمْ نرجع حتى 1976.

خُصص لنا بيتا آخر بجادة إزينويز. لوقت طويل تجنبنا المرور بشارعنا القديم. لَمْ نرد رُؤية البيتِ القديمِ؛ سمعنا لاحقاً بأنّ سكانه الجدد قد قطعوا شجرة المانجو الظليلةَ. أخبرتُ إكينا  كل هذا، لم أقل له أننا قضينا وقتا في بيركلي، حيث رتب صديقي تشوك بيل تعييني هناك. إكينا  ظل صامتا لفترة، وبعد ذلك قال: "كيف حال ابنتك الصغيرة، زيك؟ لا ريب أنها كبرت وصارت امرأة الآن.".

أتذكر إصراره دائماً على دفع ثمن مشروب الفانتا لزيك كل ما أَخذناها إلى نادي الموظّفين لأنها، كما قالَ، كانت الأجمل بين الأطفال. أَشك بأنه كان يفعل ذلك لأن أسميناها على اسم رئيسِنا، وإكينا  كان من أنصار الرئيس زيك قبل أن يترك الحركة مدعيا أنها صارت أليفةَ جداً.

"أَخذت الحربَ زيك" قلتها بلهجة "إجبو" المحلية. الحديث عن الموت بالانجليزية كان له عِنْدي نهايات مزعجة. تَنفّسَ إكينا  بعمق، لكن كل ما قاله كان "آسف" لا شيء أكثر من آسف. ارتحت لأنه لم يسأل كيف ماتت - لم يكن هناك "كيف" متعددة للموت - لَمْ يبد مصدوما، كما لو أن وفيّات الحرب كانت مجرد حوادث.

"أنجبنا طفلا آخر بعد الحربِ، بنتا أخرى" قُلتُ. لكن إكينا  كان يَتكلّمُ بسرعة. قال: "لقد فعلت ما أمكنني، لقد تركت الصليب الأحمر الدولي. لأنه ملئ بالجبناء الذين لا يَستطيعون أَنْ يُدافعوا عن البشر. تَراجعوا بعد تلك الطائرة التي أُسقطت في إكيت. كما لو أنهم لا يَعْرفون أنّ هذا بالضبط ما أراده الجنرال جوون. لكن المجلس العالمي للكنائس استمر في إرسال الإغاثةِ بالطَيَرَاْن من خلال "أولي". في الليالي كُنْتُ هناك في وبسالا عندما اجتمعوا. كَانتْ أكبر عملية لهم منذ الحرب العالمية الثانية. لقد نَظمت جمعَ التبرعات. نَظّمتُ حشود البيافريين في جميع أنحاء العواصمَ الأوروبيةَ. هل سَمعتَ عن المظاهرة الكبيرةِ  في ساحة الطرف الأغرِ؟.... أنا كُنْتُ في قيادتها. لقد  فعلت كل ما استطعت.". لم أكن متأكدا أنه يخاطبني. لقد ردد لي ما قالَه مراراً وتكراراً إلى العديد منْ الناس. شيعت بصري نحو شجرة المانجو. ما زال الرجال متجمعين هناك، لا أعرف إن هم أكلوا كل الموزَ والفول السوداني. شعرت حينها بحنين خافت يغمرني. حنينا لم يغادرني بعد.

بسيارتنا دم غريب...

"كريس أوكيجبو ماتَ، ألَيسَ كذلك؟" سَألَني إكينا وجَعلَني أُركّزُ مرةً أخرى. للحظة، تساءلت ما إذا أرادَني أَنْ أنكر ذلك، أن أجَعْل أوكيجبو شبحا يعود للحياة أيضاً. لكن أوكيجبو ماتَ. عبقريتنا، نجمنا، الرجل الذي حركنا شِعره، كلنا، حتى رجال العُلومِ منا.

- "نعم، أَخذت الحرب أوكيجبو."

- "فَقدنَا عملاقا في طور التكوين."

- "صدقت، لكنه كان شجاعَا بما فيه الكفاية ليحارب." حالما قُلتُ ذلك، شعرت بالندم. عَنيتُ ذلك فقط كَتَقدِيرٍ لكريس أوكيجبو، كان بإمكانه أن يعمل في إحدى المديريات مثل ما فعلنا لكنه التقط بندقية للدفاع عن نسوكا. لَمْ أُردْ أَنْ يسيء إكينا  فهمي وتساءلت إن كان يجب أن أعتذرَ. لكنه بَدا غائباً.

دوامة من الغبارِ بدأت تتجمع في الطَّريقِ. خفقت الريح أوراق الأشجارِ الجافة. ربما لإحساسي بالحرج، بَدأتُ بإخْبار إكينا حول يومِ عودتنا إلى نسوكا، حول منظر الخراب، الأسقف المتناثرة، البيوت المثقوبة  التي شبهتها بالجبنة السويسرية. عندما وَصلنَا إلى الطريقِ الذي يمْرُّ عبر أجوليري، أوقفنا جنود بيافريون  ودَفعوا  جندياً جريحا إلى سيارتنا؛ دمه قطّرَ في المقعد الخلفي، ولأن النجادة كانت ممزقة، اندفع الدم بعمق للحشو، أختلط بأحشاء سيارتِنا دمّ غريب.

لا أعلم لماذا اخترت  أَنْ أُخبرَ إكينا  بهذه القصة، لكن لجَعْلها تبْدو ذات مغزى له أضفتُ أنّ الرائحةَ المعدنيةَ لدم الجندي ذكرتني به، إكينا، لأنني تخيلت دائماً بأنّ الجنود الاتحاديين ضَربوه وتَركتُه يمَوت، تَركواَ دمَّه يلْطخ الشارعِ. بالطبع هذا لَيسَ حقيقيا؛ أنا لم أتَخَيّل شيئا كهذا، ولم يذكرني جرح الجندي بإكينا. إذ بدت له قصّتَي غريبةَ، فهو لَمْ يَقُلْ ذلك. أَومأَ وقالَ: "سَمعتُ العديد من القصصِ، العديد.". "كيف كانت الحياة في السويد؟" سَألتُ. استهجن. "تَقاعدتُ السَنَة الماضية. قرّرتُ الرُجُوع لأرى." قالَ "أرى" كما لو أنَّه عَنى بها شيئا أكثر من الرؤية بالعيون.

زيارة إبير...

- ماذا عن عائلتكَ؟  سَألتُه.
- لم أتزوج.
-  أوه.
- وكيف حال زوجتكَ ؟ نينا... أليس كذلك؟.

- إبير.

- أوه، نعم، بالطبع، إبير. تلك المرأة الرائعة.

إبير نَامَت بسلام منذ ثلاثة سنوات، قُلتُها بلهجتنا المحلية. فاجأتني الدموع التي لمعت بعينيه. نَسى اسمَها و لكنه بطريقةٍ ما، كَانَ قادرا على رثائها، أَو ربما رثاء عصر ضاع وتلاشى في عالم الاحتمالات. أُدركُ، الآن، بأنّ إكينا رجل يَحْملُ مَعه عبء ما كَانَ يمكنُ أَنْ يَكُونَ.

- آسف جداً... آسف جداً.

- لا بأس ... هي تَزُورني.

- ماذا..؟  سَألَني و الحيرة تملأ عينيه بالرغم من أنّه، بالطبع، سَمعَني.

- تَزُورُ.... تَزُورُني.

- حسنا ، قالها بنبرات حيادية يستعملها المرء عادة لتهدئة المجانينِ.

- أَعني، إبير زارتْ أمريكا... ابنتنا  طبيبة هناك.

- أوه، حقا؟  سَألَ إكينا  بتوهج وبَدا مرتاحاً. أنا لا أَلُومُه. نحن المتعلمين، نبقى حدوداً صارمة حول ما نعتبره حقيقيا. 

كنت مثله حتى زيارة إبير الأولى، ثلاثة أسابيع بعد جنازتها. كنت وحيدا فنكيرو وابنها كانا قد عادا إلى أمريكا.عندما سمعت الباب في الطابق السفلي يُقفل ويُفتَح ويُقَفل ثانيةً، لم أول الأمر انتباها. لطالما سببت الرياح المسائية ذلك. لكنني لم أسمع حفيف أوراق خارج نافذة غرفة نومي، ولا أزيز أشجار اللوز والأفوكادو. لم يكن ثمة ريح بالخارج. رغم ذلك، كانَ باب الطابق السفلي  يُفْتح ويُغْلق.

عندما أعيد التفكير في ما حدث، أَعتقد أنّني لم أكُنْ خائفا كما كَانَ يجبُ أَنْ أكُونَ. سَمعتُ وطء أقدامٍ على الدرج، بنفس الطريقة التي كانت تصعد بها إبير، تضغط بقوة  على كُلّ ثالث درجة. تمددت دونما حراك في  ظلام غرفتنا.  أحسستُ بغطاء فراشي يسحب، و تدليك ناعم على أذرعي وأرجلي وصدري.  تَغلّبَ خمولُ لطيف علي - خمولا  لازالت غير قادر على صده. استيقظت، كما هو الحال بعد زياراتها، بجلدِ مرن ومثقل برائحة النيفيا.

أردت في كثير من الأحيان أَنْ أُخبرَ ابنتي نكيرو بأنّ أمَّها تزورني أسبوعيا إبان موسم الجفاف وأقل من ذلك في الفصل الممطر، لكني خشيت أن تجد أخيراً سببا للمَجيء هنا ولتحْزمُني مَعها إلى أمريكا وأكون مجبرا لعَيْش حياة أحيطت بكثير من وسائل الراحة حتى غدت عقيمة.  حياة مَليئة بما نسميه  فرصا.   حياة لَيستْ لي.

ماذا لو ربحنا الحرب؟

أتساءل أحيانا ما الذي كان سيَحْدث لو ربحنا الحرب. ربما  لَنْ نَبحث عن تلك  الفرص ما وراء البحار، و لا كان القَلْق يجتاحني لأن حفيدنا لا يَتكلّمُ إجبو، ففي آخر مَرّة زارَنا لَمْ يَفْهمْ لِماذا يجب عليه َ القَول "مساء الخير" إلى الغرباءِ، لأن في عالمه الأمريكي  يَجِبُ أَنْ يبحث المرء عن مبرّرَ للمجاملاتَ البسيطةَ.

- لكن مَنْ يَعلم؟ ربما لن يتغير شيء حتى لو ربحنا.

- هل تَحْبُّ بنتكَ  أمريكا؟ إكينا  سَألَ.

- هي تَعْملُ بشكل جيّدٍ جداً.

- قُلتَ أنّها  طبيبة؟

نعم.  شَعرتُ بأنّ إكينا يستحقَّ أن أُخبره أكثر، لكن التَوَتّر لمَ يهَدأَ بعد، لذا قُلتُ، تَعِيشُ في  بلدة صغيرة في كونيكتيكت، قُرْب  رود ايلاند. أعلن المستشفى عن حاجتهم لطبيب، وعندما تقدمت ألقوا نظرة واحدة عليها ثم قالوا نحن لا نريد طبيبا أجنبيا. لَكنَّها أمريكيةُ المولدُ - أنجبناها عندما كنا في بيركيلي - ولذا أُجبروا على تعيينها... ضَحكتُ، وتَمنّيتُ لو ضحك إكينا  معي،  لَكنَّه لَمْ يفعل.

آه، نعم. على الأقل الأمور ليست بالسوء الذي كانت به معنا. أتذكّرْ كيف كَانَ التعليم  في أويوبو  في أواخر الخمسيناتِ؟ سَألَ. أَومأتُ لأريه أنني أتَذكّر، بالرغم من أنه لَمْ يَكنْ مُمْكِنناً أن تكون لنا نفس التجربةِ كطلاب في الخارج؛ هو رجلُ أكسفورد بينما أنا لَمْ أتعلّمْ في إنجلترا مطلقاً.

لا أحد يُعلّم...

نادي الموظّفين لا يمثل قشرة مما كان عليه ، قالَ إكينا. ذَهبتُ هناك هذا الصباحِ.  لم أذهب هناك منذ وقت طويلِ جداً. حتى قبل أن أتَقاعد، وَصلت إلى القناعة بأنني أصبحت كبيرا بالسنَ وأن المكان لم يعد ملائما لي. هؤلاء المبتدؤون حمقى. لا أحد يُعلّمُ. لا توجد أفكار جديدة. كل الجامعةِ سياسة، سياسة، سياسة، بينما يَشتري الطلابَ درجاتَهم بالمالِ أَو بأجسادهم.

- حقا؟

- أوه، نعم. أشياء كثيرة انهارت. اجتماعات مجلس الإدارة أَصْبَحتْ معاركَ طائفية وشخصية. يا للفظاعة. أتذكّرْ جوزيفات أودينا؟

- "الراقص العظيم."

شردت للحظات لأنه مر وقت طويل جداً منذ أن فكّرتُ بجوزيفات الذي كان في تلك الأيامِ أفضل راقصِ في الحرم الجامعي. "نعم، نعم، لقد كَانَ كذلك" قُلتُ. شَعرتُ بامتنان غريب بأنّ ذكريات إكينا تجُمّدتْ في وقت كان فيه جوزيفات لا يزال رجلا مستقيما.

- "جوزيفات ظل وكيلا للجامعة لست سَنَواتِ وأدارَ هذا المكانِ كما لو كان حظيرة دجاج أبيه. اختفت الأموال. كنا نَرى سيارات جديدة تحمل أسماء مؤسسات أجنبية وهمية. بَعْض الناسِ ذَهبوا إلى المحكمةِ، لكن دونما جدوى. لقد فَرضَ إرادته. صار وحده الذي يحدد من سينال الترقية ومن الذي سيحرم منها.. باختصار، تَصرّفَ الرجلُ وحده كمجلس جامعةِ. هذا وكيلِ الجامعة الحاليِ يَتْبع خطواته بإخلاص شديد. أنا لَمْ أحصل على  معاشي التقاعدي منذ أن تَقاعدتُ، كما تعلم."

- "ولماذا لا يقوم أحد بعمل شيئا ما؟.... لِماذا؟" سَألَ إكينا، وللحظةِ قصيرةِ، شعرت بأن إكينا القديم كَانَ هنا، في الصوتِ، الغضب،  تذُكّرتُ ثانيةً بِأَنه كَانَ رجلاً شجاعاً. ربما سيضرب بقبضتَه  الشجرة القريبة منا.

- "حَسناً" استهجنت. "العديد مِنْ المحاضرين يُغيرون تواريخ ميلادهم. يَذْهبونَ إلى قسم خدماتِ الموظفين ويَرْشونَ شخصا ما ويُضيفون خمس سنوات. لا أحد يُريدُ التَقَاعُد."

- "هذا أمر سيئ. سيئ جدا."

- "هذا يحدث في جميع أنحاء البلادُ، ليس هنا فقط." هَززتُ رأسي  يمنة ويسرة وببطء، كما أعتاد أن يفعل أهلنا للقَول بأن هذه الحالة المحزنة حتمية.

"كُنْتُ أَقْرأُ عن الأدوية المزيفةِ في الصُحُفِ؛ الأمر يبدو جدّيَا" قالَ إكينا، فكّرتُ أن عرضه للآمر ليس مصادفة، الحديث عن الأدوية المزيفة !. بيع الأدوية التي انتهت صلاحيتها هو أخر طاعونِ يصيب بلادنا، لو لم تمت  إبير بهذه الطريقة لوجدت هذه المحادثة طبيعية،  لَكنِّي كُنْتُ مرتابا. تساءلت إذا إكينا قد علم كَيفَ ماتت إبير وأرادَني أن أتحدث عنها، علِِنِّي أفصح أكثر عن الجنون الذي لَمحَه في. "الأدوية المزيفة مريعة" قُلتُ بشكل خطير، وأنا مصمّمَ على عدم البوح بشيء أخر.. لَكنِّي رُبَما كُنْتُ مخطئاً بحق مؤامرةِ إكينا، لأنه لَمْ يُتابعْ الموضوعَ.

هل حياتك جيدة؟

سَألَني: "ماذا تَعمَلُ هذه الأيامِ؟" بَدا فضوليَا، كما لو كان يتعجب ما نوع الحياةِ التي أحياها هنا، لوحدى، في البلدة الجامعيةِ التي هي الآن نسخة باهتة عما كانت عليه، في انتظار راتب تقاعدي قد يَأتي وقد لا يَأتي. ابتسمت وقُلتُ بِأَنِّي أَبحث عن الراحة؛ أليس ذاك ما يفعله المرء عند التَقَاعُد؟

أذهب أحياناً  لزيَاْرَة صديقي لقديم البروفيسور مادويو. أتمشي عبر حقول أشجار ميدان الحريةِ الباهتة. أَو بدربِ إكيجياني، حيث تُسرعُ الدراجات البخاريةَ، ويجلس الطلاب منفرجي الساقين، متلاصقين كأنما ليَتفادوا التجاويف بينهم. في الفصلِ الممطرِ، عندما أَكتشفُ مجرى جديداً أحدثه أَكلَ الأمطار َللأرضِ، أَشْعر بالتوهج لهذا الإنجاز. أقَرأ الصُحُفَ. آكلُ جيدا. مساعدي، هاريسون، يَأتي خمسة أيامَ في الأسبوع وشوربةَ "أونجبو" التي يصنعها لا مثيل لها.. أَحادث ابنتي في أغلب الأحيان، وعندما يَمُوتُ هاتفي بَينَ أسبُوع وآخَر، أُعجّلُ إلى شركة الهاتف لرَشوة شخص ما لإصلاحه. أَقلب المجلاتِ القديمةِ جدا في مكتبتي المُبَعثَرةِ المتربةِ. أَشْم بعمق رائحةَ أشجارِ النييم التي تَفصل بيتَي عن بيت البروفيسور إيبوه - رائحة يُفترض أنها طبية، بالرغم من أنّني لَمْ أعُدْ متأكّداً ما الذي تعالجه بالتحديد.

أنا لا أَذْهبُ إلى الكنيسة؛ تَوقّفتُ عن الذهاب بعد زيارة  إبير الأولى، لأنني لَمْ أعُدْ متيقنا. أن حيرتنا تجاه الموت هي التي تدفعنا للتدين.  أصبحت في الآحاد أَجْلسُ على الشرفةِ وأُراقبْ العقبانَ ترسو على سقفِي، أَتخيّلُ بأنّها ترمقنا من فوق في ذهول.

"هل حياتك جيدة، يا أبي؟" تساءلت نكيرو مؤخراً، بتلك اللكنة لأمريكية الباهتة المُزعجة بشكل مبهم. لَيسَت حياتي جيدَة أَو سيئَة، أُخبرُتها، هي ببساطة حياتي. وذلك ما يهم.

سَألتُ إكينا بأن يذهب مَعي للبيت، لَكنَّه قالَ بأنّه في طريقِه إلى إنجو، وعندما سَألتُ إذا كان سيأتي مرة أخرى، حرك يديه بطريقة مبهمة توحي بالموافقة. عْرفُت أنّه  لَنْ يَأتي.  لَنْ أَراه ثانيةً. راقبتُه يَغادر، هذا الرجل الذابل،  ذَهبتُ إلى البيت بالسيارة وأنا أتخيل الحياةِ التي عشناها والحياةُ التي لم نعش، كلّنا، الذين ترددنا على نادي الموظّفين في تلك الأيامِ الجيدةِ قبل الحربِ.

بسبب خدشِ بسيطِ حدث الأسبوع الماضي عندما أوقفتها خارج البيت، أصبحت حذرا وأنا أُوقف سيارتي المرسيدسَ في المرآب. عمرها الآن خمس عشْرة سنة ولازالت في حالة جيّدةَ جداً. أَتذكّرُ كَيفَ كانت نكيرو متحمسة عندما شحنا السيارة مِنْ ألمانيا، حيث إشتريتُها عندما ذَهبتُ هناك لاستلام جائزة العِلوْمِ الإفريقية. كانت الطراز الأحدثَ. لَمْ أكن َعْرفْ ذلك، لكن زملاءها المراهقين كانوا يعلمون وجاءوا جميعاً للنَظْر إلي السيارة. الآن، بالطبع، كُلّ شخص يَقُودُ مرسيدس، يستوردها مُسْتَعملة مِنْ كوتونو. كانت إبير تستخف بهم، تقُولُ سيارتَنا قديمةُ لكن أفضل بكثيرُ مِنْ سيارات "التك تك" هذه التي يَقُودونَها دون أحزمةِ الأمان. كانت لازالت تتمتع بحس الدعابة. عندما تَزُورني، أحياناً تدغدغني، تجري أصابعها. تَعْرفُ جيداً ً بأنّ دواءِ البروستاتَا قد أمات أشياءَ هناك، وهي تفعل ذلك فقط لتشاكسني، ولتطلق ضحكتها الساخرةَ بلطف.

استمرى في الضِحْك، يا جدتي...

يوم دفنِها، عندما قَرأَ حفيدَنا قصيدتِه: "إستمرى في الضِحْك، يا جدتي،" فكّرتُ كم هو متقن هذا العنوانَ، كلمات القصيدة الطفولية أدمعت عيني، على الرغم مِنْ شكِّي في أن أمه قد كَتبَت معظمها. نَظرتُ حول الساحةِ وأنا في طريقي إلى داخل البيت. هاريسون يَعمَلُ  قليلاً من البستنة، يَسْقي في الغالب في هذا الفصلِ. أشجارالورد أصبحت قصباتَ جافة، لكن على الأقل غاباتَ الكرز الجريئةِ خضراء ومتربة.

أدويتي لا تقتل الناس...

أدُرت التلفزيونَ. ما زالَ المطرُ منهمرا على الشاشةِ، بالرغم من أن ابن الدكتورِ أوتاجبو، الشابّ اللامع الذي يدرس الهندسة الالكترونيةَ، جاءَ لإصلاحه الأسبوع الماضي. قنواتي الفضائية تبخرت بعد العاصفة الرعديّةِ الأخيرةِ. يستطيع المرء أن يعيش أسابيعِ بدون بي بي سي وسي إن إنِ على أية حال، والبرامج على القناة الوطنية NTA جيّدة جداً عندما لا تعرض المراهقين الأمريكيين وهم يرقصون شبه عراة.

القناة الوطنية َ NTA، قبل عدة أيام، أذاعَت مقابلةً مَع رجل أخر أتهم باستيراد الأدوية المزيفةِ - دواء لحُمَّى التيفودِ هذه المرة. "أدويتي لا تَقْتلُ الناسَ في الحقيقة" قالَ، موضحا، وهو يُواجهُ الكاميرا كما لو كان يوجه نداءِ إلى الجماهيرِ. "هي فقط لا تعالج أمراضَهم". أقفلت التلفزيون لأنني لَمْ أعُدْ أحتمل رُؤية شفاهِ الرجل المترهلة. لَكنِّي لَمْ أُستفز، ليس بالشكل الفظيع الذي كنت سأستفز به لو انقطعت زيارات إبير عني. تَمنّيتُ فقط ألا يتَرك هذا الرجل حرّاً للسفر مرةً أخرى إلى الصين أَو الهند أَو حيثما يَذْهبونَ لاستيراد الأدوية المنتهية صلاحيتها التي لَنْ تقْتلَ الناسَ، لكنها ستجعل المرضَ يَقْتلُهم.

القادم أفضل...

أَجْلسُ الآن في مكتبتي، لطالما ساعدتُ نكيرو بواجبات الرياضياتِ  الصعبةِ للمرحلة الثانويةِ. جلد الكرسي صلبُ وبال. وطلاءَ رفوفِ الكتب الفاتح اللون بدأ يتقشر. أتساءل لِماذا لم يخبرنا أحد طوال هذه السنين بأن إكينا  لَمْ يَمُتْ. حقا، سَمعنَا قصصا عن رجال اعتقد الجميع أنهم قد ماتوا فإذا هم يدخلون بناياتهم أحياء بعد شهورَ أو حتى سَنَوات، بعد يناير/كانون الثّاني 1970؛  يُمْكِنُ لي أَنْ أَتخيّلُ كميةَ الرملِ التي قد صَبّتْ على الرجال المُحَطّمين من قبل أفراد عائلاتهم الذين علّقوا بين عدمِ التصديق والأمل. لَكنَّنا قلما نتحدث عن الحرب. وعندما نتحدث فإننا نفعل ذلك بغموض متعمد، كما لو أنَّ المهم ليس تكدسنا في المخابئِ الموحلةِ أثناء الغارات الجويةِ التي بعدها ندَفنّ  الجثثَ ذات البقعِ الوردية على الجلدِ المُفَحَّمِ، لَيسَ بأنّنا أُكِلنَا قشورَ الكاسافا وراقبنَا انتفاخ بطونِ أطفالِنا، ولكن أنّنا بَقينَا على قيد الحياة.  كَأنَ هناك اتفاق ضمني بيننا، نحن الباقون على قيد الحياة في بيافرا. حتى إبير وأنا، نحن اللذان  ناقشتُنا اسمَ طفلِتنا الأولىِ، زيك، لشهورِ، وافقنا بسرعة جداً على أسم نكيرو الذي يعني بلهجتنا المحلية : القادم أفضل. نحن.... سَنَتطلّعُ، للأمام وللأمام فقط.

ترجمة: عطية صالح الأوجلي

* العناوين الفرعية من وضع المترجم.

** اندلعت الحرب الأهلية النيجيرية، المعروفة كذلك بِحربِ بيافرا، في 6 يوليو/تموز 1967 واستمرت حتى 13  يناير/كانون الثّاني 1970، ولقد كان السبب الرئيس للنزاع هو انشقاق المحافظات الجنوبية الشرقية لنيجيريا وإعلانها الاستقلال تحت أسم بيافرا. إشتهرت الحرب بحدوث مجاعات وبإدّعاءات واسعة حول الإبادة الجماعيةِ.

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار