فنون وثقافة

عـمـرالمخـتار الوافي: بين الأمل والألم... مـذكـرات شخـصية (5)

ليبيا المستقبل | 2017/02/15 على الساعة 08:35

الحلقة الخامسة - الفـصل الثاني (3) العـمل بالتعليم والدراسة الجامعية

عن حياة والدي.. بانوراما عن حياة جيله…

ولد المرحوم (المختار موسى علي)، في بداية العقد الأخير من القرن التاسع عشر، عاش حياة قاسية تعرض فيها لألوان من الشقاء والفقر والحرمان والتهجير الداخلي وأشترك في المقاومة ضد الغزو الأيطالي، وأصيب في معركة (المرج) الأولى برصاصة شجت رأسه وتركت به أثرا ظل به طول حياته، ووضع مع اسرته في معتقل (المقرون) حيث فقد به أبناءه جميعاً من زواجه الأول الذي أنهاه بالأتفاق مع زوجته السابقة عقب ذلك المعتقل المشئوم تجنباً لمزيد من المآسي، والبحث عن فرصة ربما تكون أفضل.

في عمر الخمسين تقريباً بدأ بداية جديدة، كنا ثمرتها، مر بي هذا الشريط الطويل وأنا أقف أمام جثمانه الطاهر وهو مسجى على الفراش دون حراك، تذكرت  وسط أحزاني الشديدة كل حياته وكل كلماته وكل آرئة السديدة، كان بالنسبة لي موئل الحكمة والمشورة ألجأ إليه كلما ضاقت بي الدنيا وأعتْنِي الحيل وأعجزتني السُبل فأجد عنده النصيحة والتوجيه اللذين يفتحان أمامي كل أمر عصي وكل باب مغلق، لا أعرف لماذا مر بي شريط حياته وأنا أقف بجانبه مغرورق العينيين مجهشاً بالبكاء، اغالب نفسي ألا أنهار أمام الحاضرين، فقد علمونا منذ الصغر أن بكاء الرجل عيب ونقيصة، رغم ان الكثيرين كانوا يبكون دون ان يكترثوا بما يقال، لقد عاش والدي طفولته وشبابه المبكر أواخر العهد العثماني وهي فترة مضطربة تسودها الفوضى وأنعدام الأمن وأشتعال الحروب الأهلية بين القبائل، وأنتشار اللصوصية وقطع الطرق أذ لم يكن للسلطة العثمانية سيطرة تامة على قبائل الجبل الأخضر، وكان كل مايهم هذه السلطة تحصيل المكوس والأعشار من الأهالي أما ماعدا ذلك فلا تكلف نفسها عناء شئ آخر، ولذلك كانت القبيلة تدير شؤونها بنفسها بواسطة شيوخها الذين كانوا أغلب الأحيان يتنازعون على أقتسام السلطة والنفوذ بينهم ويتخاصمون على أستغلال الأراضي الزراعية ومناطق الرعي والماء ويتنافسون حتى على ركوب الخيل وكسب الحظوة لدى النساء، هذا داخل القبيلة الواحدة أما مع القبائل الأخرى فقد كان الأمر أكثر سوءا، فقد كانت الحروب والعداوات بينها نار مشتعلة باستمرار، وكان يغذيها الأتراك في تصفية الحسابات ضد القبائل المتمردة عليهم بتجريد القبائل الموالية لهم ضدهم. وساهم هذا المسلك التركي في أذكاء العداوات بين هذه القبائل وزاد من اشتعال الحروب والأمثلة على ذلك كثيرة.

ونتج عن هذا المناخ المتكهرب ثارات كثيرة وأضطراب أجتماعي شديد دفع أهلونا ثمنه وجاء على حساب راحتهم وأستقرارهم وسلاسة حياتهم، لقد أرتحل والدي مع أهله الى منطقة (المرج) وعاشوا هناك في جوار أخواله من قبيلة الدرسة طيلة الفترة التي سبقت الأحتلال الأيطالي، وذلك بسبب عداوة وأقتتال نشبت بين عائلته وأحدى العائلات المجاورة لهم في منطقتنا، عانى مع أهله آلام الأبعاد ألقسري عن منطقته والعيش كأغراب مع قبيلة أخرى تحت الاحساس  بالمطاردة والمهانة والغربة، فكثيراً ما كانوا يتعرضون للطرد من المراعي ويمنعون من ورود مصادر الماء هذا رغم نزولهم عند أخوالهم من قبيلة الدرسة.

من الحكايات التي كان والدي يحكيها لنا كدليل على أنفلات الأمن أنه تعرض للسلب وجرد من ملابسه وهو شاب صغير وكاد أن يفقد حياته لولا تدخل أحد قطاع الطريق أخيراً ؛ الذي تكرم عليه  فأعطاه ثوباً بالياً يستر به نفسه وأطلق سراحه.

أشترك والدي مع أثنين من أخوته في معركة (المرج) 1913م عقب احتلالها من قبل الغزاة الطليان إذ أن الأهالي هاجموا الطليان من جهة الشرق، ولم يكن يدرون أن الغزاة قد حفروا خندقاً الى الشرق من المدينة المحتلة متوقعين أن البادية ستهاجمهم من ناحية الشرق. ولما أقترب المهاجمون من ذلك الخندق أنهال عليهم الرصاص بشكل كثيف فوقع منهم ضحايا كثر كان من بينهم أحد أخوته أسمه (محمد)، وأصيب والدي برصاصة شجت رأسه كما مر بنا وتركت به أثرا كخط من أعلى جبهته الى أخر جمجمته، ولو كانت تلك الرصاصة الى الأسفل قليلاً لفجرت دماغه، وبناء عليه كان يردد بأستمرار أن الذي أنقذني من تلك الرصاصة هو القادر على حمايتي لآخر العمر. حين أصيب وغطاه الدم حملوه على فرس واقتادوه راجعين للنجع وهم يقولون  أن الملائكة (قد نغرته) اى قد وضعت عليه علامة باعتبار انه من اصحاب الجنة.

مما كان يحكي عن تلك المعركة أن المهاجمين حين أتوا في اليوم الثاني لنقل شهدائهم لدفنهم تبين لهم أن الأيطاليين كانوا متمترسين في الخندق على بعد خطوات منهم، وقد كانوا يظنون أن الرصاص يأتيهم عن بعد من  داخل المدينة، ومن الذكريات عن تلك الفترة أنهم بينما كانوا يدفنون شهداءهم ظهرت لهم  طائرة ايطالية في الجو فأعتقد الناس أن (سيدي المهدي) قد جاء لنجدتهم فأخذوا في التهليل والتكبير لله العزيز القدير. غير أن الضباط الأتراك الموجودون معهم بالنجوع أبلغوهم بأن هذه طائرات عدوة وليست (سيدكم محمد المهدي). فأخذوا في إطلاق الرصاص عليها ببنادقهم العتيقة ولكن بأيمانهم القوي، وهم يدفنون الشهداء وسط التهليل والتكبير وزغاريد النسوة وأهازيج الفخار بأعتبار أنهم الى جنات النعيم. أستمر سكان تلك المنطقة في المقاومة الي توقيع أتفاقية الرجمة التي أعترفت فيها أيطاليا بأمارة الامير (محمد ادريس السنوسي) على الدواخل من برقة.

خلال فترة الحرب العالمية الأولى عانى الأهالي الأهوال، أذ أقفلت المنافذ الحدودية وشح الأنتاج بسبب الجفاف وأنتشر الطاعون الذي أفنى الكثير من الأهالي وكان من بينهم جدي وجدتي وأحد أعمامي وعمتي الكبرى وعاني الباقون من العائلة الجوع والمرض حتى أن منهم من هاجر الى مصر وبقى فيها الى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

شدد الأيطاليون قبضتهم على القبائل القاطنة قرب مناطق العمران بالجبل الأخضر أثناء ما سمي بحرب الاسترداد عقب الحرب الأولى، فأخذوا في تقريبها الى الطرق الأمنية والمدن والقرى وشددت الرقابة عليهم بشكل دائم منعاً لاتصال المجاهدين بهم، وكانوا ينكلون بأي شخص يبدي تعاوناً أو يقدم مساعدة لهم، ولذلك تعرض الأهالي للقتل والسجن والنفي ومصادرة الأموال والأراضي.

تزوج والدي من أحدى النساء الفاضلات واسمها (نجمة طه زيدان) شقيقة المرحوم (زيدان طه) والمرحوم (محمد طه) حوالي عام 1920م وأنجب منها عدداً من الأبناء والبنات ونقل  بهم مع من نقلوا الى معسكر الأعتقال التي أقامها الطليان لقبائل برقة المتمردة في (المقرون وسلوق والعقيلة والبريقة)، وهناك تعرضوا للجوع والمرض والحرمان من أبسط أنواع الضروريات الى جانب القهر الجسدي والمعنوي ؛ كأن يقيمون في خيام بالية وسط الصحراء القاحلة، بيوت لا تقيهم حراً ولا برداً ؛ ومات في هذا المعتقل (المقرون) كل ابنائه وبناته، كما فقد كل ما كان يملك من حيوانات، ولم يخرج من المعتقل غير والدي وزوجته، خرجامن المعتقل بعد أعدام سيدي (عمر المختار) عام 1932م مع جملة من خرج من الناس ميممين وجوهم شطر مناطقهم.

عاد والدي وزوجته ولكن هذه المرة الى (شحات) موطننا الأصلي حيث أن المشكلة القديمة التي سببت أبعادهم عن المنطقة قد سويت بطريقة او اخرى زمن الحرب ضد الطليان، وانتهت المشكلة بأن رضي كل طرف بما أصابه، وتفاهم الطرفان على نهاية الخصومة وتلاشت العداوة مع الأيام.

أستخلص والدي الأراضي التي كانت قد أنتزعت منهم بسبب تلك  العداوة وأقام في وادي الزنادي، وادينا الجميل وهو واد عميق به مزارع للعنب والتين والمشمش وغيرها، وكان لأهلنا به مزرعة مروية أستطاع والدي إصلاحها وتنميتها بعد أن عاد اليها، فاقترحت عليه زوجته السابقة -الزواج- لعله يحصل على ذرية تخلف وتحفظ أسمه، وذلك لكبر سنها وعدم قدرتها على الأنجاب وأعطته العذر والسماح. ومن هنا كان زواجه من والدتي (مريم عوض عبدالدائم) وهي أحدى قريبات والدي من نفس عائلتنا (الوافي) زوجها جدي لوالدي في ثوبها كما كانوا يقولون وهي لاتزال صغيرة السن لم تبلغ العشرين ربيعاً في يوم زواجها، عاشا معاً حوالي ثلاثين عاماً أنجبا أربعة أولاد وخمس بنات فقدا منهم بنتين وولدا بسبب أمراض البرد وسوء التغذية والحصبة، هذه التداعيات المتلاحقة والشريط الطويل من الذكريات المليئة بالآلام والموت والدم والأمل والحلم والخيبات المتكررة والنجاحات القليلة مرت بذهني سريعاً وأنا أقف أجلالاً لهذه الشخصية الرائعة، لم أكن أصدق أن كل ذلك أنتهى الآن وذهب مع صاحبه الى دار الآخره. تذكرت تعليقه على خسوف القمر قبل فترة وجيزة وقلت في نفسي لو كان للقمر أن يخسف لوفاة أحد فلا بد أن يخسف لوفاة والدي وليس لأحد سواه.

الدفن والمآتم  زمان…

في صباح اليوم التالي أتيت بشخص ليغسله ويكفنه، وأعددنا محملاً وحملناه على الأكتاف الى مقبرة (عيت يحي) الى الشرق من مطارحنا بمسافة ثلاثة كيلومترات، حضرنا قبره وصلينا عليه  صلاة الجنازة وواريناه الثرى. وفي اليوم التالي  لدفنه أقمنا مأتما لتقبل العزاء على (عين الزنادي) كما جرت عادة ذلك الوقت،  ويتم اختيار  المكان لتوفر المياه ولتوسطه من السكان ولتعود عائلتنا على اقامة مآتم موتاها  هناك، كان المأتم في ذلك الزمان تعبيراً حقيقياً عن الفقد والتكافل الأجتماعي أذ تحضر كل أسرة لوازم أعداد وجبة طعام من المتيسر لديها، وتعده بما يتوفر لها من أمكانيات، وتقدمه للمعزين وقت الغداء، كما كانت تنتشر عادة ندب المتوفي وتعديد خصالة بين النساء؛ إذ كن يَدُرن في شكل دائرة حول رماد نار ينشرنه على رؤوسهن بين الفينة والأخرى، وكانت حركتهن تتم في  أيقاع جنائزي حزين، وكانت (المعددة) وهي امرأة شاعرة أو حافظة للشعر تسمي (القوالة) تعدد مآثر المتوفي، وتردد بقية النساء شطرات من قولها وأحياناً بصراخ عال أو بقول (حيه حيه)  في نغم (كورالي) مؤثر وذلك على مرأى ومسمع من الرجال الذين يجلسون بالقرب،  يغالبون أحزانهم سراً مع أرتفاع في مستوى التوتر والتأثر وحالات الأنفعال العالي... مع بعض الأنفجارات البكائية والزفرات الدامعة.

المؤسف أن النساء في ذلك المشهد كن يلجأن للصراخ والعويل وتجريح الخدود الأمر الذي كان يعد من قبل المتفقهين أحتجاجاً على ارادة الله سبحانه وتعالي، وأنه من أعمال الجاهلية الأولى مما أدى لأنقراض هذه الطقوس في وقتنا الحاضر.

* إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت موافق ومؤيد لقرار الحاكم العسكري، عبدالرازق الناظوري، بمنع النساء الليبيات دون سن الـ 60 من السفر دون محرم؟
نعم
لا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل