كتب ومطبوعات

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/11)

غسان عتيقة | 2017/06/20 على الساعة 22:49

الحلقة (11): سياسات بالبو "الليبرالية" والهيبة العرقية

تنويه: نقلت مقاطع مترجمة من الصفحات 320 الى 328 من الكتاب والتي تعكس نظرة الاخر لنا بكل قسوة الكلمات التي قد يجدها بعض القراء الكرام صادمة فاستسمحوني العذر مقدما...

قبل وصول بالبو للمستعمرة بثلاث سنوات، تم تامين السيادة العسكرية الايطالية على كامل الأراضي الليبية. كانت قبل ذلك مقاومة شرسة من قبائل برقة وتحت راية الطريقة السنوسية وقيادة عمر المختار رد عليها الايطاليين بحملة اعدامات عشوائية واقامة المعتقلات الجماعية للسكان الرحل في الجبل الاخضر وتدمير الماشية. كانت نتيجة هذه الحملة - حسب الإحصاءات الرسمية الايطالية -  انخفاض عدد سكان برقة بشكل كبير من 255 ألف نسمة عام 1928 الى حوالي 142 ألف نسمة مع نهاية عام 1931.

عندما أصبح حاكما للمستعمرة، وجد بالبو تقريبا جميع عرب برقة "في معسكرات الاعتقال". وبحلول عام 1937 تم الإفراج عنهم جميعا. فاجئ بالبو بسياساته تجاه الليبيين العديد من المراقبين حيث علق أحد الصحفيين الانجليز عام 1939 بقوله: "رغم تمسكه بحدود سياساته الشمولية بالتفوق الدائم للرجل الأبيض في ليبيا، أحب المارشال بالبو ان يكون ليبراليا متمرسا أيضا" وعلق اخر متحدثا عن بالبو انه: "حكيم، انساني وخير ممثل للمثل الفاشيستية العليا." كانت سياساته مزيج من الصرامة العسكرية الممتزجة "بحس انساني عادل ايضا". اثارت سياساته "الليبرالية" صدمة حكام المستعمرة السابقين دي بونو وغراتسياني وبعثا برسائل شديدة اللهجة له من مغبة نتائج هذه السياسات على مستقبل المستعمرة.

سجل الزوار الاوروبيين لليبيا انه تحت حكم بالبو، عامل الايطاليين الليبيين بنوع من التكلف والتساهل الغير مألوف في الانظمة الاستعمارية الاوروبية. ولم يتذمر الايطاليين من العمل في الحقول جنبا الى جنب الليبيين وكان المسؤولين الايطاليين يحيون الوجهاء المحليين باحترام ومودة كبيرة. كان هناك تمييز محدود للغاية في استعمال المرافق العامة حيث يستطيع الليبيين الإقامة في الفنادق والسفر على الدرجة الاولى في المواصلات العامة ما داموا قادرين عليها ماديا. ذكر فرنسي شديد العداء للعرب بعد زيارة ليبيا عام 1938 انه لم يكن الليبيين اقل اهتماما بهم عن الاوروبيين من قبل الحكومة ولم يشعر ذلك الفرنسي بالحاجة "للاغتسال بالكامل" من ازدحام العرب في الطرق مثل ما فعل في تونس!

عندما وصل إلى المستعمرة، كانت معرفة بالبو بعادات الشعوب الأصلية محدودة للغاية واعتمد بشكل كبير على التكنوقراطي المخضرم في المستعمرات الفرنسية جوسيب دودياس او "داو" والذي ترجم لبابو اقسام من ادلة النماذج الاستعمارية الفرنسية في التعامل مع سكان شمال افريقيا. كان اعتماده على "داو" في قراءة ومناقشة هذه الادلة الفضل في نشر رؤيته الشخصية في التعامل مع الليبيين بالشكل الذي يخدم الاهداف الاستعمارية الفاشيستية في ليبيا كنموذج مثالي للإمبراطورية الايطالية في افريقيا.
ومثل معظم المسؤولين الاستعماريين، كان بالبو حذرا من كسر النظام الاجتماعي التقليدي للسكان الأصليين، خوفا من توابع ذلك وما شاهده على فشل الفرنسيين الذريع لتحويل شعوب مستعمراتها في شمال افريقيا الى "فرنسيين جيدين".

رفض بالبو مثل تلك السياسات في ليبيا وبدلا من ذلك، كان يعلن عن اهمية تعزيز وحماية الثقافة التقليدية المحلية في المجتمع العربي انسجاما مع موقف موسوليني "كحامي للإسلام" حيث تعاون بالبو بدقة مع الأعيان المحليين، والزعماء السياسيين والدينيين في الأغلبية العربية البربرية. وقد تم دمجهم بشكل سطحي في المنظمات والمؤسسات الايطالية. لكن في الحقيقة، كما لاحظ صحفي إنكليزي، أراد بالبو "تحريض المجتمع العربي عن البقاء في الماضي والتحرك نحو الحاضر الحديث".

 


 

ادخل بالبو تحسينات كبيرة في المنظومة التعليمية حيث كان المستوى الثقافي لليبيين اقل من مستوى الشعوب الاخرى في شمال افريقيا. حيث انه بعد انتهاء حملات التهدئة عام 1931، لم يكن هناك تقريبا اي مدرسة نظامية خارج طرابلس والتعليم الوحيد المتاح كانت دورات الكتاب لتعليم الطلاب قراءة وحفظ آيات القرآن الكريم.

أضاف الإيطاليين مناهج التعليم ثنائية اللغة (بالعربية والايطالية) وكان التحدي في العثور وتدريب المدرسين الليبيين على تدريس هذه المناهج. بحلول العام 1939 كانت معظم القرى مجهزة بمدارس يعمل فيها المعلمين الليبيين والإيطاليين معا. في مجال التعليم العالي، أدرك بالبو اهمية انشاء كلية اسلامية وقرر انشائها في طرابلس وكان الغرض الصريح منها حسب قول بالبو انشاء قيادات مؤهلة منسجمة مع السياسيات الايطالية وبدون الحاجة للجوء الى الجامعات والمعاهد الاسلامية في القاهرة وتونس.

اتبعت المدارس الابتدائية والكلية الإسلامية نمطا تعليميا تقليديا للذكور واتخذ بالبو خطوات مبتكرة في انشاء مدارس للإناث باستشارة الاعيان الليبيين ورضاهم بحيث لا يثير اي حساسيات في مجتمعاتهم وتعاليمهم الدينية. في سنة 1936 أسس بالبو مدرسة في طرابلس لتدريب الممرضات بدأت ب 16 متدربة وبحلول 1940 وصل عدد الطلبة الى 1163 موزعين على 14 مدرسة في العديد من المناطق الداخلية.

عمل بالبو ايضا على تحسين المرافق الطبية والخدمات الصحية والتي كانت تحديا كبيرا خصوصا ايصال الرعاية الصحية للقبائل البدوية والرعاة الرحل والقضاء على الامراض السارية مثل الطاعون والكوليرا والجدري التي تفتك بهم من خلال انشاء وحدات طبية متنقلة مجهزة بالأجهزة الطبية والمختبرات اللازمة للقيام برحلات دورية للواحات والمناطق الصحراوية النائية. وفي المدن الكبيرة تم إنشاء مستشفيات تضم إدارات منفصلة للمرضى العرب. وفي المدن الصغيرة، قام الإيطاليون بتثبيت أطباء مقيمين بمختلف الاختصاصات. وقامت الحكومة سنويا بتوزيع كميات ثابتة من الأدوية والضمادات المجانية على الليبيين ومنع زواج الاطفال ومكافحة وفيات الرضع. رغم التواضع النسبي لهذه التدابير، تكللت هذه الجهود بتحسن ملحوظ في الصحة العامة بين الليبيين.

أصبح الليبيون ينجذبون بشكل متزايد إلى البدائل التي قدمها الإيطاليون عن غير قصد: العمل بأجر، وبريق وإثارة المدن وأربكت محاولات لبالبو القضاء على أسلوب الحياة البدوية دون الاندفاع نحو المدن، حيث لا يمكن للعاطلين عن العمل أن يتنافسوا مع العمالة الإيطالية. في المقابل قدم عددا من الحوافز والاعانات والإعفاءات الضريبية لأصحاب الاعمال الليبيين اسوة بالإيطاليين واصبحت الاسر الليبية الراغبة في العمل في الزراعة قادرة ان تتقدم في قوائم التسجيل في مشاريع القرى النموذجية الديموغرافية المصممة بالتوازي مع القرى الاستعمارية.  بالنسبة لليبيين الذين لديهم موارد مالية والراغبين في استغلال الاراضي الزراعية اسوة بالإيطاليين، أصبح ذلك متاحا لهم مع منتصف 1937 ومع ذلك لم يتم منح سوى 20 طلبا للحصول على تنازلات اراضي عامة لليبيين مع حلول عام 1939.

كان من المتوقع أن يستفيد الليبيون من الوظائف التي ستنمو في القطاع الزراعي مع تطور خطط الاستعمار الإيطالية، لكن لم تستمر هذه البرامج طويلا للحكم على فعاليتها بما يتجاوز الدعاية حولها حيث بقيت معظم هذه المشاريع حبيسة الخرائط مع اندلاع الحرب العالمية الثانية. وأظهرت المشاريع المكتملة خلال وجودها القصير نفس المشاكل التقنية والإدارية والمعنوية التي واجهتها نظيراتها الإيطالية. وقامت الأسر الليبية بحلب اموال الاعانات الحكومية بدون الاهتمام كثيرا بتأسيس نفسهم كمزارعين. اعتبر الخبراء الزراعيين المشرفين على هذه القرى ان هذه المشاريع هي عبارة عن مهزلة!

لم يكن من السهل ابدا العثور على سياسات من شأنها أن تستوعب جميع الليبيين بسبب التباين بين خلفياتهم وأساليب حياتهم وعندما أشار الإيطاليون إلى "مواطنين ليبيين مخلصين"، كانوا يشيرون لأحفاد البربر الأصليين والغزاة العرب في القرن الحادي عشر. حيث كانت تعمل هذه الشعوب في المهن الزراعية والرعوية في المناطق الساحلية بالاضافة لمجموعة واسعة من المهن الاخرى في مراكز مثل طرابلس ومصراته وبنغازي، ودرنة حيث تجمع أكثر من نصف السكان هناك. وظلت المساحة الهائلة للصحراء الليبية فارغة تقريبا، حيث بلغ عدد سكانها 48 ألف نسمة فقط.

شملت الاقليات الليبية عام 1936 حوالي 35 ألف من الكراغلة المتحدرين من نسل الجنود الاتراك والنساء المحليات- و30 ألف من الزنوج من ذرية تجارة الرقيق من السودان و29 ألف يهودي الذين تم طرد اجدادهم من اسبانيا. تجمع الاقليات الثلاث اللغة العربية التي يتحدثون بها واشترك الكراغلة والزنوج باللباس والديانة مع العرب والبربر والذين كانوا يتخالطون معا بكل حرية بينما كان اليهود متركزين في حارات منعزلة بهم خصوصا في مناطق تريبوليتانيا حيث كانوا يعملون حرفيين وتجار صغار.

بدى بالبو اعجابه بسكان الساحل الليبي من العرب البربر وكونهم افضل من يمثل حضارة امتهم بشكل جاد حيث قال لمجموعة من الصحفيين الفرنسيين عام 1935: " احب ذكاء هؤلاء الشمال افريقيين المثيرين بقوتهم وحس الامانة عندهم"  مع تعاطفه العلني في تصريحاته المختلفة، حاول بالبو ان يبدد الصورة النمطية الاوروبية عن العرب كشعوب كسولة همجية غدارة، على العكس من ذلك، فحسب المارشال، كان العرب بطبيعتهم يتمتعون بالرصانة و الاحترام العميق والطاعة تجاه السلطات الحاكمة ورجال الدين وكانوا ذوي شرف وكرامة وجنود ممتازين حيث اظهرت الكتائب الليبية في حروب الحبشة شجاعة منقطعة النظير.

كان بالبو أيضا انتقائيا للغاية في تعاطفه. لقد فضل هؤلاء الليبيين المقيمين في المناطق الساحلية لضمهم للمخطط الإيطالي باعتبارهم "شعوبا متفوقة متأثرة بالحضارة المتوسطية" وقادرة على استيعاب القيم الفاشية الجديدة ومؤسساتها. لكنه خلص ان شعوب فزان لم تكن على المستوى المطلوب، ويجب أن تترك تحت الحكم العسكري. كان بالبو أيضا معاديا للبدو الرحل حيث اعتبر طريقة حياتهم تهديدا لبرامج الاستعمار وان يخضعوا للرقابة الشديدة مع تهذيبهم حتى يتهم التخلص من عاداتهم البدائية. بالاضافة لذلك، قال فرانشيسكو جابرييلي المتخصص في الشؤون الإسلامية انه لم يكن بالبو إنسانيا بمعنى الكلمة. فهو مثل باقي حكام المستعمرات الاوروبيين كان صارما في سحق أي تمرد على سلطاته وفي التعامل مع مسالة "الهيبة العرقية".

من امثلة ذلك، حادثة تمرد 22 من الجنود الطوارق والذين قتلوا امر كتيبتهم الايطالي لنهب اسلحة المعسكر واللجوء لأعمال النهب وقطع الطرق. امر بالبو كل الوحدات القتالية في كامل المستعمرة لتعقب الجناة. بعد القبض عليهم امر بالبو بإعدامهم في مسرح الجريمة بحضوره مع الوحدات العسكرية والقادة المحليين. في حادثة اخرى، تم الحكم بالسجن بحق رجلين ليبيين لمدة 8 سنوات بعد ثبوت تهمة "ملامستهم الخادش للحياء" لسيدة إيطالية عرض الطريق!  لاحظ صحفيين أجانب ايضا طلب الايطاليين من الليبيين إظهار الاحترام لهم بشكل مبالغ جدا وعلق رحال انجليزي عن خنوع الليبيين المثير للإحراج امام الغير حيث ينتفضوا عند ظهور أي أوروبي امامهم لإثارة انتباهه حتى في القرى والواحات البعيدة. في طرابلس مثلا يقوم ماسحي الأحذية بإلقاء التحية الفاشيستية والهتاف:" عاش الامبراطور، عاش موسوليني، عاشت إيطاليا" قبل البدء بمسح احذية الزبائن!

هذه التناقضات الظاهرة في السياسات العامة للمستعمرة عكست شخصية بالبو ومبادئه. فهو أراد الحفاظ على "الهيبة" الايطالية لكن أراد في الوقت نفسه ان يكون شعبيا بين الليبيين وهو يحمل على عاتقه "مهمة نقل الحضارة الاوروبية" مع أفضل قيم الفاشيستية والثقافة الاوروبية الى شعب "متخلف وغارق في البؤس" من المنظور الاوروبي. كما لم يكن لدى بالبو أي أوهام حول الإخلاص الطويل الأمد لليبيين تجاه إدارتهم الإيطالية لكنه كان يأمل استيعابهم لقيم الحضارة الإيطالية والتحسينات المادية التي جلبها الإيطاليون بحيث توقظ في نفوس الليبيين "وعي وكرامة شعوب البحر المتوسط".

يتبع...

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

ابوفارس | 23/06/2017 على الساعة 14:26
شكرا ويا ريت
شكرا أستاذ غسان عمل جيد يستحق التقدير وموضوعية على ما يتضح في الترجمة ونتمنى المزيد من الترجمة للتاريخ الليبي الذي سجلته اقلام غير ليبية . عندي مأخذ واحد على الترجمة ،انه رغم سلاسة الأسلوب الا ان الحد الأدنى من قواعد اللغة العربية لم يؤخذ في الاعتبار فالمرفوع مكسور والمكسور مرفوع وهكذا . يا ريت يعرض الاستاذ غسان كتاباته على أستاذ في اللغة العربية قبل نشرها ولك التحية .
مصطفى المصري | 22/06/2017 على الساعة 03:49
لابد من قراءة التاريخ
التاريخ لا يؤلف ,, التاريخ ينقل ويروى ,, والكاتب روى بطريقة جيدة وكتابة واضحة لمرحلة من تاريخ ليبيا ,, الجهد كبير ورائع ,و والأسلوب جيد وراقى وسهل للجميع ,, الشكر والامتنان للأستاذ غسلن على هذا الانتباه لتاريخ بلادنا ,, وفقه الله
سليم الرقعي | 21/06/2017 على الساعة 21:18
شكرا على النقل الموضوعي لبعض الحقائق الغائبة
صحيح هناك بعض الصور المؤلمة عن سلبيات طبيعة الشعب الليبي وبعض الحقائق التي ربما لن تعجب البعض ولكن لابد من التعامل مع الحقيقة مهما كانت مرة، تحياتي وشكرا على هذا الجهد الكبير المتواصل ورمضانك كريم
ليبي ليبي | 21/06/2017 على الساعة 13:16
الاخلاص
متى نتغلم من هؤلاء الزعماء الحقيقيين معنى الاخلاص وحب الوطن وخدمته.
آخر الأخبار