كتب ومطبوعات

عن الطنطورية، صديقتي التي كانت

أم العز الفارسي | 2017/05/12 على الساعة 10:50


 

رواية "الطنطورية" رواية صدرت عن دار الشروق في القاهرة، الرواية لرضوى عاشور، وكعادتها هي حبكة نسجت فيها التاريخ بالجغرافيا، والسياسة، نسجت فيها الآلم والأمل والانتظار المر، عبر حكاية (قرية الطنطورة) التي ترويها (رقية الطنطورية) نسبة إلي (الطنطورة) القرية  الفلسطينية التي تقع على الساحل الفلسطيني قريبا من مدينة حيفا، وهاجمتها العصابات الصهيونية في صيف، وبسطوا نفوذهم عليها رغم ضراوة المقاومة، وعدم تكافؤ القوة العسكرية علي الارض، شهدت رقية التي لم تغادر مرابع الطفولة وهي تستشرف ريعان الصبى بعد، مذابح دامية لأبناء قريتها ولاهلها، فيما رحلت النساء والأطفال وبعض من نجوا من الشيوخ الي المنافيء.

يتتبع سياق الرواية حياة رقية الطنطورية وما حل بها بعد ايام الاجتياح المرة لقريتها التي كانت هانئة، من مشهد ركام الجثث التي يتصدرها والدها وأخويها الشهداء وباقي شباب قريتها، الي الرحيل المر عبر بلدان الفت بعضها وعافت اخرى، منذ العام 1947، حيث طرق الهوى قلب رقية، الي العام 2000 حيث انتهاء الاحداث، ومن الهجرة إلى هجرة ومن محنة الي محنة ومن تزاحم للألم حد الموت والقتل والمذابح والاعتقالات،الي استمرار الحياة في حلها وترحالها وعلاقاتها، من صيدا الي بيروت الي مدن عربية أخرى، وعبر عوالم متغيرة للراوية، واحداث وحكايات للاهل والزوج والابناء، وتنتقل الرواية في مسارات دامية وباكية ومريعة، وتشهد علي قوة الانسان حين تتحول ذكرياته ورغبته في العودة الي سلسال بنحره مثقل بمفتاح بيت لن يعود، وعوالم لن تعود مهما حاولنا اعادة الروح اليها، فاطلاق الاسماء علي الأحفاد ومحاولة بث الروح في الذكريات كلها مجرد الآم يقاومها الانسان لكي لايموت كمدا.

تقول رضوى عاشور، الرفيقة والصديقة تقبلها الله برحمته " أن الرواية كجنس أدبي على غير الأجنسة الأدبية الأخرى على غير الشعر مثلا هي لا تستطيع أن تنبت وتنفصل عن التاريخ، التاريخ بمعنى واقع تاريخي معيش حتى لو كان الحاضر، ما فيش رواية من غير نسيج اجتماعي ما فيش رواية من غير تاريخ وجغرافيا ضمنا أو صراحة، هذا أمر لكني أيضا منشغلة بهذه العلاقة الخاصة بين المتخيل والتاريخي" رضوى الدقيقة المعتنية بصدق التفاصيل، تجسد معرفتها كباحثة اكاديمية رصينة، وتمزج شخوص روايتها وتضفر الواقع بالخيال لتضع القاريء علي تخوم الدهشة، لاينفك من عمل لرضوى حتي ينتهي منه، في (لطنطورية) تنسج رضوي الواقع بالمتخيل، وتضعنا كشهود علي النزوح والمذابح، تدخل بنا الي عمق الحياة في المخيمات و تقذف بنا الي اتون صبرا وشاتيلا ولهيب الحرب الأهلية في لبنان واجتياحها عام 1982 وترصد بدقة التاريخ بالرموز الوطنية التي نعرف، والتي لانعرف.

الطنطورية ترصد مصائر عائلة فلسطينية بمثابة الوطن، من الميلاد الي الموت الي الميلاد، تتخللها حظات الفرح المسروقة من لوعة فراق، بلقاء، او يأس مطبق لطاقة أمل، ومن وخوف وضياع الي دفء الذكريات، وتاخذ بيد القاريء الي مكامن التاريخ ودقة الاحداث، روايات رضوي ثرية كما كانت حياتها.

أنصح من لديه وقتا بالعودة لها لنعرف آي أوجاع هي اوجاع الحرب، وآي اوجاع هي أوجاع رحيلك عن بيتك وعوالمك وذكرياتك، وآي اوجاع هي تقويض حياتك بقرار لايصدر عنك، وآي قدرة للانسان علي الانتظار والأمل، (الطنطورية) رواية الوجع والمرارة التي مازالت ترافقنا.

أم العز الفارسي

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار