كتب ومطبوعات

عـمـرالمخـتار الوافي: بين الأمل والألم... مـذكـرات شخـصية (13)

ليبيا المستقبل | 2017/03/19 على الساعة 14:15

الفـصـل السادس (المحاكمة الثانية ورفع الأحكام)

استمرار رحلة الشقاء داخل السجون القذافية...

رغم أن القذافي كانت له اليد الطولى في الأعداد للانقلاب والتخطيط له وتنفيذه وانه قام بتشكيل مجلس قيادة الانقلاب من مجموعة من الضباط الذين يسهل عليه قيادتهم و استعمل ذلك المجلس في تصفية الجيش من  الضباط الكبار والضباط المناوئين له سواء بالاعتقال أو الإبعاد من الجيش أو من البلاد بالمرة بحجة الحاجة لهم في السفارات الليبية بالخارج وكذلك بإبعاد آخرين عن المناطق الهامة والإستراتيجية في (طرابلس) و(بنغازي) بوضعهم في وحدات بالمناطق النائية أو وضعهم في مواقع هامشية دون تأثير، إلا انه بعد مدة وبعد انقشاع الخطر الخارجي وإحساس القذافي بالقوة بدأ يهمش دور ضباط قيادة انقلابه فبدأ في التقليل من شأنهم وسبهم بأبشع النعوت والقول بأنهم لا يساوون شيئا من دونه، وأنه هو الذي أوجدهم وقد سمعت منهم من كان يتذمر من هذه التصرفات المشينة والشاذة ويستغربها من شخص كان يعتقده قديسا قبل الانقلاب، الحقيقة أن بعضهم عارض هذا التوجه من القذافي وقرر مقاومته حتى لو سالت الدماء انهارا على حد قول المرحوم (امحمد المقريف) قبل سنوات وانه لا يمكن السماح باستفراد القذافي بالسلطة لكنه كان دائما يمسك زمام المبادرة فقرر التخلص منهم عبر سلسلة الإجراءات التي بدأت بالتوريط في مهام ضد رغباتهم وإراداتهم ووضع العضو منهم  أمام خيار صعب لا يملك تجنبه كما فعل مع (محمد نجم) حيث كلفه بمحاكمة زملائه من الضباط من مجموعة (آدم الحواز) و(موسى احمد) وكان يعرف أن (نجم) تربطه علاقات وطيدة بمعظمهم بل كان يعرف ان منهم من كان ينوي مصاهرته، وحين لم يؤد المهمة كما كان القذافي يرغبها أمر بإعادة محاكمتهم من جديد في إشارة منه إلى فشل (محمد نجم) في مهمته، الأمر الذي دفعه إلى الانزواء بعيدا وترك المجلس وقد حذا حذوه (مختار القروي) بحجة انه يريد التفرغ لأعماله الخاصة ولا يريد الانغماس في السياسة غير أن السبب الحقيقي هو الابتعاد عن القذافي وأساليبه الخبيثة ضد زملائه الذين لا يوافقون على سياسته كما اراد القذافي احراج أعضاء مجلسه بوضعهم في مواجهة الجماهير والتخلي عنهم بالاستقالة وكان يهيج الشارع ويوحي لأتباعه بالتظاهر والمطالبة بعودته وكان في كل مرة يعود بعد أن يكون قد حقق موقعا على حساب الواقفين ضده والمعارضين لتصرفاته بالمجلس، وما (ثورته الشعبية 1973م) إلا خطوة على نفس الطريق، طريق الاستفراد بالسلطة دون زملائه في مجلس قيادة الانقلاب. فمن طريف ما يحكى حول تلك الواقعة انه ترك المجلس بعد أن أعلمهم انه قد قرر الاستقالة واعلمهم بأنه سيعلنها في مهرجان شعبي امام الناس ولكنه عوض ذلك أعلن ما سماه بالثورة الشعبية، والتي من أهم انجازاتها زعمه تسليم السلطة للشعب وبذلك وضع ذلك المجلس على الرف فلم يعد أي من أعضائه يستطيع أن ينبس ببنت شفه في مواجهة الغوغاء والدهماء الذين أطلق لهم القذافي العنان. كما عزز القذافي موقعه بتصفية مناوئيه بالجيش، فيما أطلق عليه مؤامرة (عمر المحيشي) عام 1975م وفيما سمي بالثورة الطلابية 1976م وعبر المحاكمات والتصفيات السرية بداية عام 1977م، تمهيدا لما اسماه إعلان سلطة الشعب في 2 مارس 1977م الذي يأتي تتويجا لجلوسه على عرش في مقبرة للموتى على حد قول المرحوم (عمر المحيشي)، لم يأتي ذلك اليوم إلا و(محمد نجم) و(مختار القروي) قد تركا المجلس منذ سنين و(عمر المحيشي) و(عبد المنعم الهوني) مطاردان في المنافي و(عوض حمزة) و(بشير هوادي) مذلان مهانان حيث تم حرق منزليهما من قبل الدهماء والغوغائيين، ولم تجد توسلات والدة (بشير) نفعا ولم تحل دون حرق البيت بما فيه، بقي من الأعضاء دون مجلس، (عبد السلام جلود) و(مصطفى الخروبي) و(الخويلدي) و(أبو بكر يونس) بقي هؤلاء الأعضاء الأربعة إلى جانب قائدهم الأوحد إمام الثوريين والمسلمين وخليفة الزعيم والأمين على القومية العربية والمحرر والمنظر العالمي والمفكر الملهم والمهندس والعميد إلى غير ذلك من الأسماء والألقاب وزادها ملك الملوك بعد أن كان محطم العروش، تعملق وتقزموا وكَبُر وصغروا، أصبح وحده صاحب الأمر والنهي يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء، ليس عليه حجر وليس لديه حد، المهم ما يخطر في ذهنه في اللحظة والتو البلاد كلها تحت تصرفه - الأحياء والأشياء -  ملكية خاصة له. أمام هؤلاء الأعضاء المتبقين طريق واحد أما أن يكونوا تُبعاً مثل سائر الإتباع أو يلحقوا بمن سبقهم، ولرغبتهم في البقاء آثروا أن يكونوا أتباعا طيعين طيبين ومسالمين ومنفذين لكل جرائمه استمر (عبد السلام) على هذه الوضيعة لسنوات لاحقة يحاول أن يظهر بمظهر الشريك ولو إسمياً، وحين أعيته الحيل وسُدت في وجهه السبل آثر الانسحاب من ذاته، وقرر أن ينزوي في ركن من مدينة (طرابلس) مكتفيا من الغنيمة بالإياب، ولا زال الدور على الباقين فهم موجودون لكنهم دون صلاحيات يمارسون ما يجود عليهم به من ادوار هامشية، انتهى مجلسهم كمؤسسة دستورية لديه صلاحيات ومهام محددة وبقوا في وضع لا يسر صاحباً ولا صديقاً ، ينتظرون ما يمكن أن يحمله لهم المستقبل من مفاجآت خاصة بعد أن ظهر على المسرح الليبي الأبناء، أولئك الأشبال الذين نشئوا وترعرعوا في عرين الأسد أصبح أي حلم لهؤلاء البقية الباقية من مجلس الانقلاب مجرد سراب بقيع. إذن انتهى أي دور لما يسمى بمجلس قيادة الانقلاب وتركزت كل الصلاحيات بيد القذافي عن طريق هيكل فضفاض من اللجان الشعبية والمؤتمرات الشعبية وأجهزة دموية تمثلت في المخابرات ومكتب الاتصال باللجان الثورية، التي كان أجمل تصوير لها رسما كاريكاتوريا للفنان (الزواوى) بإحدى الصحف عبارة عن اجتماع لمؤتمر الشعب العام ويظهر فوقهم رسم لشبح مخيف يحرك المجتمعين بإشارات من يديه. أصبح القائد الرمز يرشد ويوجه ويأمر وهو غير مسؤول عن شيء حتى وهو لا يتحرك شيء في البلاد إلا بأوامره المباشرة وتعليماته الصريحة للمديرين والإتباع الذين صاروا يعرفون باللجان الثورية يعبثون في مصير البلاد والعباد لا يسمحون بغير ما يريده قائدهم، ويفرضون على الناس ما يريده لهم حتى وأن كان ضد ما يريدون، فزيفوا إرادة الجماهير ونشروا في البلاد جوا من الإرهاب والتخويف حتى استساق الناس امتثالا لأوامر القائد، فتضخمت الأنا لديه وأخذه الزهو بنفسه وأصبحت عبادة الشخصية مسلكا لوسائل إعلامه وأجهزته حتى انه لا يكاد يذكر احد باسمه سواه وأخذت صوره الشخصية الضخمة ومقولاته الخالدة تملأ الشوارع والميادين وفي مداخل المدن ومخارجها واذا حضر لأي مكان يجلس بمفرده وسط حراسه المدججين بالسلاح وحارساته الحسناوات، حوله هالة من التعظيم والتبجيل والهتافات والتصفيق وإعلان الولاء والمبايعة والأشعار والكلمات التي تمجد وتسبح بحمد القائد الفذ في مشهد من  مشاهد الحكام والسلاطين في القرون الوسطى. اختفى مجلس الانقلاب عمليا بعد أن صار رئيسه إلاها في بلاد جردت من كل قواها الحية، بالتصفيات عن طريق القتل والسجن والتنكيل والعنف وهدم البيوت، وأخذت العناصر الإرهابية تصول وتجول في طول البلاد وعرضها مهددة متوعدة (اطلع يا خفاش الليل) (تبي والله ما تبيش من غير معمر ما فيش) (علم يا قايد علمنا) (زيد تحدى زيد)  وغيرها كثير، تحدد مصير كل من لا يوافق على فصول هذه المسرحية التراجيدية، حل اسم القذافي محل كل شيء عزيز في بلادنا، حل محل الشعب ومحل الثورة نفسها ومحل ليبيا ومحل الرسول ومحل الله، وصار بالتالي كل من يعارضه يعارض كل هذه الأشياء الثمينة والويل له.

المحاكمة أمام ماسمي بمحكمة الشعب...

استكمالا لمشهد تركيز السلطة في يديه فقد عزم على تصفية القضايا العالقة منذ عام 1973م فيما كان يسمى بقضايا الحزبيين وقضية ما كان يسمى بمؤامرة (المحيشي) عام 1975م وقضية الطلاب فيما كان يسمى بالثورة الطلابية عام 1976م ولذلك فقد قدم الضباط المتهمون في قضية المحيشي إلى محكمة خاصة عسكرية أما قضايا الحزبيين 1973م وقضية الطلاب 1976م فقد حوكموا أمام محكمة الشعب برئاسة (احمد محمود الزوي). نقلونا إلى (طرابلس) وأنزلنا بقسم السياسيين بالحصان الأسود وحين شرعوا في محاكمتنا كانوا ينادون كل متهم بمفرده وبعد استجوابه أمام المحكمة ينقل إلى زنزانات سجن الجديدة بضواحي (طرابلس) وهو سجن الجديدة، سجن قديم مهترئ يعود للعهد العثماني حسبما يقال، هندسته سيئة وزنزاناته كئيبة لا تكاد تدخلها أشعة الشمس رديء التهوية دائم الرطوبة بقينا بتلك الزنزانات مدة من الزمن حتى أنهت مناقشتها للمتهمين جميعا، كنت أعود بذاكرتي إلى ذلك الزمن الذي بني فيه هذا السجن وكم عانى أهلونا فيه من آلام وعذاب وكم من الجلادين مروا من هنا ثم ذهبوا إلى غير رجعة أين الأتراك؟ وأين الطليان؟ وأين الانجليز؟ وأين هم حكام العهد الملكي؟ وهؤلاء سينتهي أمرهم في يوم من الأيام كما انتهى سابقوهم ولذلك لم يكن أمامنا في هذه المحنة القاسية وهذه (المرمطة والبهدلة) إلا الصبر والاحتمال والتصميم على الوقوف بشجاعة ورجولة وعدم إبداء أي نوع من التخاذل والضعف أمام هذا الجبروت والطغيان، ولذلك فقد دافعنا عن أنفسنا أمام المحكمة بشجاعة وقوة أثارت إعجاب من حضروا المحكمة، كما اثارت حنق وغضب رجال الأجهزة، فحين استقدم الشهود مثلاً وفيهم من رجال الأمن وعملائهم وتمت مواجهتهم بقوة أربكتهم وجعلت منهم من لا يقوى على الوقوف والكلام، يرتجف ويتمايل في وقفته، ومن خوف السقوط أُذِن له بالجلوس، الأمر الذي جعل المحامين يتساءلون (عمن هو الشاهد ومن هو المتهم؟ )، وقد شهد ضدنا من رجال المباحث والمتعاونون معهم. كانت المحكمة استثنائية رغم أن اسمها محكمة الشعب، فقد كانت ابعد ما تكون عن الشعب، كانت محكمة عسكرية يرأسها ضابط من ضباط الانقلاب اسمه (احمد محمود الزوي) عرفت المحكمة باسمه وعضوية ضابطين أخريين هما (عبدالسلام بوقيلة)  عضو يمين و(محمد بو حجر) عضو يسار ومثَل الادعاء (حسن بن يونس) الذي أبلى بلاءًا حسناً في إلصاق التهمة بنا وفي وصمنا بأبشع أوصاف الخيانة كما تطوع للدفاع عنا عدد من المحامين الوطنيين على رأسهم الأستاذ (عبد الله شرف الدين) و(محمد سالم دراه) وآخرون دافعوا عنا بكل ما أوتوا من حجج دستورية وقانونية، بعدم شرعية المحكمة وببطلان الإجراءات وكذلك طعنوا في موضوعية التهمة وبعدم وجود قضية اصلاً. استمرت المحاكمة عدة أيام كان يحضرها عدد من أهالينا ممن تمكنهم ظروفهم من المجيء إلى (طرابلس) واتضح لكل من تابع جلساتها استهدافنا بالسجن لنكون عبرة لمن يفكر في المساس بأمن النظام.

حكم المحكمة...

بعد استكمال المحاكمة رفعت الجلسات وتحدد يوم 19/2/1977م موعدا للنطق بالحكم، وبقينا ننتظر الموعد على أحر من الجمر على أمل أن حكم هذه المحكمة سيوضح الملامح لمصيرنا بعد ذلك، وضعنا بإحدى الفيلات بمزرعة تابعة لسجن (الجديدة) مع المجموعات الأخرى، مجموعة الابشات ومجموعة حزب التحرير، بقينا بتلك الفيلا تحت الحراسة انتظاراً للموعد المحدد وكانت أياما لا تخلو من ترقب متفائل على وجه العموم وراحة بال على الأقل عملنا ما في وسعنا ودافعنا عن أنفسنا كل بقدر استطاعته وبما سمحت به ظروف محكمة عسكرية استثنائية غير محايدة وغير نزيهة ولا بريئة تتعامل مع المتهمين على أساس أنهم أعداء وعليهم الالتزام بالخطوط الحمراء للنظام والغير مسموح لأحد بتخطيها فكثيرا ما كانت تقاطع المتهم وتلزمه بالصمت وظهر ذلك خاصة حين اردنا الحديث عن الأسباب الشخصية والقبلية والمناطقية التي أسهمت في هذه المحنة التي نعاني منها والتي في رأينا استغلت الأرضية التي خلقها مناخ عداوة النظام للأحزاب والحزبيين وقانون تجريم الحزبية لصنع هذه المأساة وحين أردنا الدفع بذلك ولفت نظر المحكمة لهذا العامل المهم كانت المحكمة في شخص رئيسها تقاطعنا ولا تعطينا الفرصة للتوضيح بحجة أننا (نريد أن نقاطع بين الناس) أي نشعل نار الفتنة بين الناس على حد قول (احمد محمود الزوي). على أي حال رغم يقيننا أن أعضاء المحكمة غير محايدين ولم يكونوا يملكون قراراً مستقلاً إلا أننا كنا متفائلين، على الأقل سيتم الحكم على كل واحد منا بمدة زمنية تكون محددة ومعروفة ويتعرف على مصيره بدل هذا الوضع الذي كنا فيه والذي يلفه الغموض والإبهام، في اليوم المحدد نقلنا لمبنى المحكمة وأدخلنا القاعة، كل مجموعة على حدة وتلت هيئة المحكمة الأحكام، برأت من برأت، بعد أربع سنوات تقريبا من السجن، ثم حكمت على الباقي بين أربع سنوات وخمسة عشر عاماً وكان نصيبي ونصيب عبد الجليل وفرج الصالح والمفتي وآخرين معنا أربع سنوات كنا قد أتممناها إلا شهرين اما باقي الزملاء (عبد العاطي وعبد الغني والحزر والزول ومعهم آخرون) بين خمسة أعوام وخمسة عشر عاما. المهم حسب رأينا حينها انه قد بان أفق محدد للقضية انتهت عنده، ولكن تبين فيما بعد انه كان فجراً كاذباً. فرحت بالحكم رغم أنني كنت أتوق للبراءة وكتبت لأهلي رسالة بعثتها مع احد الزملاء الذين برأتهم المحكمة من جهتنا أبلغتهم بالحكم وقلت لهم انتظروني سوف أقدم إليكم بعد أن تنتهي محكوميتي بعد شهرين من تاريخه سأعود إليكم تلك العودة التي طال انتظارها ولم تحدث إلا بعد احد عشر عاما أخرى قضيناها في متاهات مظلمة وقاتمة كما سنرى فيما بعد.

العودة للكويفية مجددا...

بقينا بالجديدة إلى نهاية مارس 1977م ثم نقلنا إلى الكويفية اذكر أننا في طريق عودتنا إلى الشرق وبمنطقة قريبة من سرت، نزلنا للراحة وتناول طعام الغداء وقد كنت في غاية السرور بالتوجه للشرق ولقرب الإفراج عني وفي أثناء الاستراحة بتلك المنطقة اقترح علي الأخ (رجب الهنيد) وهو من مناضلي الحركة الطلابية كما انه كان من ضمن الأعضاء الذين شملتهم قضية القوميين العرب المعروفة بقضية 106 في العهد الملكي، كما سجن إبان الثورة الشعبية 1973م متهماً بنشاط نقابي بكلية التربية، حيث كان يدرس ثم أخلي سبيله بعد مدة، وأعيد مرة أخرى متهماً بالحزبية دون حزب، لذلك كنا نعده حزباً بمفرده،   بقي معنا طيلة هذه السنين وكان شخصية رائعة محببة للجميع وكان قريبا إلى نفسي اقترح علي أن نغافل الحرس ونهرب استغربت اقتراحه ! كيف نهرب ولم يبق لكلينا من المحكومية سوى أيام قلائل؟ فرددت عليه مازحاً (ما زاللي شهير يا رجوبة يا خوي كيف نهرب). ربما كان لدى الأخ (رجب) حدس صادق واستقراء للأحداث أفضل مني رغم أن منطقة سرت الصحراوية هي آخر مكان يصلح للهرب وأنا لم أفكر طيلة مدة سجني بالهرب رغم أن فرصاً كثيرة أتيحت لي للهرب عبر مراحل سجني المختلفة ولم اهرب، منها مرة عرضها علي احد الحراس بالكويفية بكل اسف لم اعد اذكر اسمه وشكرته عليها وبينت له عزمي على ألا اهرب مطلقا، ومرة أخرى ذهبت لعيادة العلاج الطبيعي ببنغازي مع احد الأصدقاء من الشرطة ولقبه (اسويري) وهناك طلب مني الهروب، وكسابقه شكرته ورددت عليه بمثل ما رددت على زميله لأنني كنت أفضل أن أبقى ببلدي وقريبا من أهلي على ألا أكون مطارداً داخل البلاد أوخارجها.

مفاجأة  تغيير الأحكام...

بعد أن وصلنا لسجن الكويفية واتمام إجراءات التسليم والاستلام انزلنا لقسمنا السابق وتوزعنا في الحجرات واستلمنا العهد الشخصية من لوازم الإقامة المختلفة، قدِم إلينا مدير السجن المدعو (احمد سعد البرغثي) فهنأنا بسلامة الوصول وتحدث معنا عن وضعنا داخل السجن والزيارات، وأعلمنا بان وضعنا سيكون كالمعتاد (ولن يتبدل علينا شيء) على حد قوله غير انه أعلمنا بأن الرسالة المرفقة معنا ليس بها أحكام سنوات وإنما بها أحكام بالإعدام والسجن المؤبد، لم نصدقه أول الأمر وظننا أن بالأمر مزحة ثقيلة غير انه أصر على قوله، وأن مجلس القيادة عدل أحكام المحكمة إلى الإعدام بالنسبة للمرحوم (المبروك الزول) والأخ (عبد الغني خنفر) وإلى السجن المؤبد بالنسبة للباقين بحجة انه لا توجد عقوبة سنوات بالمواد التي أدانتنا بها المحكمة وإنما عقوبتها الإعدام وهي المواد 1 - 2 من قانون تجريم الحزبية رقم 71 - 72 والمادتين 2 - 3 من قرار مجلس قيادة الانقلاب (لحماية الثورة) وللمرة الثانية لم يتم احترام حكم المحكمة التي أنشِئت خصيصا من قِبل النظام، كما تم تحميل أعضاء مجلس القيادة المزعوم مسؤولية رفع هذه الأحكام إلى الإعدام والمؤبد وهم ذاهبون دون رجعة، إذ كان القذافي يعد لمن بقي منهم حتى ذلك الحين طبخة ما سمي بالسلطة الشعبية، والتي ما هي إلا سلطته المطلقة في واقع الأمر ورغم أن مجلس القيادة ليس موجوداً إلا اسميا، فلم يبق أمام المتبقين من الأعضاء إلا المغادرة نهائيا غير مأسوف عليهم.

اوضاعنا بسجن الكويفيه بعد تغيير الاحكام...

كيفنا أحوالنا على أن نبقى على الحالة السابقة للمحاكمة وكأنها لم تحدث بالمرة، و(كأنك يابو زيد ما غزيت)، عُدنا كأننا معتقلون باعتبار ما جرى غير قانوني وغير مقبول وكانت خيبة أمل كبيرة لأسرنا ولأهلنا فعمت الأحزان والمناحات بيوتنا وتقاطر عليهم المواسون وعمت أجواء من الكآبة والضيق والغضب الشديد ربوع ديارنا وحضر الأقارب والمعارف لزياراتنا والتخفيف عنا والرفع من معنوياتنا وحصلت للكثيرين منهم حالات من الانفعالات والتوتر ومشاهد من البكاء والتأثر حين التقوا بنا، وكنا نخفف عنهم ونقلل من أهمية ما حدث وانه لن يضيف لوضعنا الذي كنا عليه في السابق شيئا وأن فرج الله قريب وما كنا ندري أن ذلك الفرج الذي كنا نتحدث عنه سيتأخر كل هذه السنين، بعد أيام بدأت الأمور تعود لمجاريها من جديد وبدأنا نكيف أنفسنا على الاستمرار مجددا على حال السجن الطويل لقد تعودنا على الخيبات ولم تعد تؤثر فينا، ليس أمامنا إلا التعايش مع هذه الحالة، الشيء الوحيد الذي جد علينا هو حكم الإعدام الذي وضع للأخوين (عبدالغني والمبروك) فقد تم وضعهما بالزنازين الانفرادية كما هو متبع لأحكام الإعدام، صرنا نخشى على حياتهما ونقلق بشأن مصيرهما، صحيح أن النظام منذ دخولنا السجن كان يهدد الجميع بالتصفية الجسدية وقطع الرؤوس وكنا جميعا نتواجد تحت مظلة الرعب والإرهاب التي نشرها النظام في البلاد بعامة إلا أننا صرنا نخشى أن تتم تصفيتهما بحجة أنهما محكومان بالإعدام، وقد عانينا كثيرا من ذلك الهاجس لأننا تآلفنا لطول العشرة والإقامة المشتركة ولإحساسنا أنهما مظلومان مثلنا كما إن وجود (عبد العاطي) معنا وهو شقيق (عبد الغني) كان عاملا إضافيا في إحساسنا الدائم بالمشكلة، فكلما رأينا الحالة الإنسانية التي كان عليها الأخ (عبدالعاطي) من خشية على مصير أخيه كنا نحاول التخفيف عنه ومشاركته في مشاعره المتعاطفة. ومن اشد ما كان يحزننا ويثير الدهشة في نفوسنا حينما نقارن ما حدث لنا وما حدث لزملائنا في العهد الملكي إذ القي القبض على أحزاب فعلية بأعضائها وقياداتها وكوادرها المختلفة بنظمها وببرامجها وبكتبها ومنشوراتها وبياناتها حلقات وخلايا فعلية وبأعضاء كانوا قد تدربوا على السلاح في دولة أجنبية ومع ذلك حين حاكمتهم المحكمة، حوكموا بإجراءات قانونية سليمة وباستدلالات كافية وفي محكمة عادية وأعطوا كامل حقوقهم في الدفاع عن أنفسهم وحضرت الصحافة تلك المحاكمة ونقلتها بتفاصيلها الكاملة والناس يتابعونها باهتمام وحين أصدرت أحكامها لم يتعد أقصاها ست سنوات. ما هذا الذي جرى في عهد ما يسمى بالثورة عهد الحرية الثورة التي طالما تغنى بأشواقها الناس وحلموا بقيامها وأيدوا وساعدوا على استقرار الأمور لصالحها تحكم على شخص بالإعدام أو بالسجن المؤبد لمجرد انه التقى أو تبادل أطراف الحديث مع شخص آخر أو قرأ  كتابا أو أبدى رأيا لا يتمشى مع سياستها ! دعك من أن يتناول أمرا مع آخرين يخص البلد الذي عاش فيه آباؤه وأجداده ويعيش فيه الآن هو وأولاده وسيعيش فيها أحفاده في مستقبل الأيام الأمر الذي تكفله كل الحقوق والشرائع الإنسانية والسماوية زيادة على أن وضع الحكم حتى تاريخه لا زال مؤقتا بحكم إعلانهم الدستوري وأن البحث عن صيغة لذلك الحكم هي واجب وطني ملقى على عاتق جميع أبنائه. طويت بهذا قضية الحزبيين وكما جرى معنا جرى مع المجموعات الأخرى مجموعة الابشات ومجموعة حزب التحرير.. فقد تم ترفيع الأحكام بالنسبة لهم إلى السجن المؤبد وانتهى أمر هذا الملف المعلق والذي كان يثير الجدل منذ سنين.

معـركة القذافي مع القطاع الطلابي...

بقيت قضية اتحاد الطلبة ضحايا ما يسمى بثورة الطلاب في 7 ابريل 1976 م في القطاع المدني ظل الطلاب منذ العهد الملكي يشكلون الفئة النابضة بالحيوية والحماس المعبرة في كل الأحوال والأوقات عن تطلعات شعبهم وأمانيه في الحرية والديمقراطية والاستقلال والتحرر والوحدة وقد قدموا التضحيات وسقط منهم الشهداء والجرحى في المظاهرات والاحتجاجات ضد العهد الملكي أعوام 1964 1967 وكان هذا القطاع يحس بنبض الشارع الليبي وبأحاسيسه الفياضة ويعبر عن قضاياه بسرعة وصدق وعفوية وكان الناس يعولون دائما على دوره في تشكيل الأحداث السياسية في بلادهم واستطيع القول أن صدام العهد الملكي معهم من الأسباب التي دقت آخر مسمار في نعش ذلك العهد فحين اصطدم العهد الملكي مع القطاع الطلابي المحتج على ارتباط النظام الملكي بالدوائر الغربية الاستعمارية وعلى وجود القواعد الأجنبية على ارض ليبيا والمعاهدات التي تكبل البلاد، وتنظم ذلك التواجد، كان القطاع الطلابي يحتج ويأخذ على النظام الملكي عدم مساهمته بشكل كاف في قضايا الامة العربية حين اصطدم النظام الملكي بهذا القطاع الحيوي والمميز فقد عزل نفسه عن الشعب بكامله ونأى بعيدا عن أهم قطاع فيه وهم الطلاب رأس الحرية في الحركة الوطنية الليبية. حمل الطلاب هذا الإرث النضالي على كواهلهم وتحملوا في سبيل الوفاء باستحقاقاته كل الصعاب ودفعوا من اجله كل غال ونفيس بهذه الروح الناضلية استقبلوا الانقلاب عند قيامه عام 1969م كبقية قطاعات شعبهم الأخرى بالتفاؤل والأمل وتحقيق أماني ليبيا في تلبية مطالب الشعب في الحرية والديمقراطية والتحرر من القواعد الأجنبية ونشر العدالة والمساواة بين الناس وكان كثير من قادة الانقلاب لهم علاقات وثيقة بقطاع الطلاب أيام الدراسة الثانوية ولهم تراث مشترك معهم كما شارك الكثيرون من الطلاب في تأييد الانقلاب ومناصرته بحماس وفعالية في عقد المؤتمرات والندوات واللقاءات مع بقية قطاعات الشعب وكانوا يعبرون عما يجيش في صدورهم من أماني وأشواق ومشاعر وأحاسيس وطنية وقومية وما يتطلعون اليه من حياة كريمة ومستقبل سعيد وقد كان القذافي يحضر ندواتهم ولقاءاتهم ويتحاور معهم ويستمع لوجهات نظرهم وكان الطلاب في بداية الأمر منبهرين بهذا الاهتمام الزائد بهم وهذا التواضع معهم لدرجة أنهم كانوا ينادونه باسمه مجردا، كما كان الكثيرون منهم من يشتط معه في الحديث معه ويطالبه بالعودة للثكنات وكان يتناقش معهم لساعات طويلة وفي هذه الأجواء وبينما كانوا يتوقعون منه الخير  وأن الأماني ستتحقق على يديه سرعان ما زالت حالة الانبهار وبدأت الشكوك تتسرب إلى هذا القطاع وبدأ القطاع الطلابي نتيجة لمماطلة القذافي وعدم الاستجابة لمطالبة الرئيسية يتجه لتكوين قناعة بأن القذافي كان يسبر أغوار هذا القطاع محاولا معرفة قياداته وقواه المؤثرة بقصد استبعادها من الطريق والسيطرة التامة عليه وقد اتبع في سبيل ذلك عدة خطوات: تمثلت الخطوة الأولى منها بتقزيم وتهميش دور القطاع الطلابي النضالي وتاريخه الذي يعتز به ضد العهد الملكي وهو الدور الذي ساهم كما أسلفت في تقويض دعائم ذلك النظام وخلق أرضية لقيام الانقلاب وعوضا عن ذلك اخذ في اختلاق قصة مظاهرات واحتجاجات سيرها حسب زعمه في سبها، من اجل قضايا لا تمت لواقع ما حصل بصلة واختصرت نضالات القطاع الطلابي في مظاهرة حصلت في سبها لم يسمع احد في حينها بحدوثها، وليته نسب تلك المظاهرة السبهاوية للقطاع الطلابي لهان الأمر و نما نسبها لشخصه باعتبار انه المخطط والداعي لها ومنفذها الأوحد، ولولا كفاحه و نضاله لما قامت، متناسيا أن الجميع ممن عاصروا تلك الأيام يعرفون أن تلك المظاهرة ساعدت الدولة على قيامها احتجاجا على إجراء فرنسا لتجربة ذرية قرب الحدود الليبية مع الجزائر، وكذلك كانت مظاهرات التأييد للثورة الجزائرية وسعي الجزائر للحصول على استقلالها امراً معتاداً وبشكل مستمر.

(مظاهرات لدعم استقلال الجزائر)

وتحتفظ الذاكرة الشعبية والطلابية خاصة أن تلك الاحتجاجات على التجربة النووية في الصحراء الجزائرية، حدثت في مجمل أنحاء ليبيا الواسعة وكدليل  على صدق ما أقول ظهور رجال البوليس في الصور التي تم نشرها من قبل وسائل إعلام القذافي للمظاهرة وهم يرافقون المتظاهرين وينظمون حركة سيرهم وهو الأمر الذي لا يمكن حدوثه في المظاهرات التي لم تكن السلطات الأمنية راضية عنها، المهم أصبحت هذه المظاهرة القذافية هي كل ما جرى في ليبيا من القطاع الطلابي وأصبحت مناسبة سنوية يحتفل بها تمجيدا لبطولات الطالب الثائر معمر القذافي، كما أصبح الحديث عن غير هذه المظاهرة من المحرمات التي تثير علامات الاستفهام عن المتحدثين بها حتى وأن كانت في حجم مظاهرات 1964م والتي راح فيها ضحايا - قتلى وجرحى ومعتقلين - وحركت الشارع الليبي وساهمت في تقويض أركان النظام الملكي بتشويه صورته وجعله مذموما غير مقبول شعبيا والحديث عنها منفر ومستفز  للقذافي وزمرته وذلك حين لم تنجح محاولته الغبية في تسلق هذه المظاهرات والإيحاء بأنه وقف معها وأيدها بالمرور بجانب سور الجامعة وبإيمائه  للطلاب المتظاهرين وتحريضهم على التظاهر وهو الأمر الذي لا يمكن تصديقه في ذلك الوقت لأنه كان ضمن السلك العسكري وهو السلك المحظور عليه الاختلاط أو التعامل مع أحداث من هكذا نوع وهذه الرواية لم يعد إليها فيما تلى من السنين، لشعوره بان احداً لم يصدقها. أما الخطوة التي كانت سببا مباشرا في انقطاع الصلة التامة بين القطاع الطلابي ولقذافي فهي انه أراد فرض أتباعه ممن يسمون بالقوى الثورية بالجامعات والمدارس الثانوية والمعاهد على القطاع الطلابي وهو الأمر الذي تم رفضه في حينها ولما حصلت الانتخابات لتشكيل اتحاد الطلاب تم استبعادهم واختار الطلبة ممثليهم بشكل ديمقراطي وسلمي ودون اللجوء لما من شانه أن يعيب ذلك الاختيار. تشكل اتحاد الطلبة دون أن ينجح احد من أتباع القذافي فلم يرق ذلك للقذافي إذ لم يكن في حسابه خذلان القطاع الطلابي له ولأتباعه ولم يتمش مع أجندته في السيطرة وفرض الإرادة على الناس والبلاد بالكامل ولذلك عزم وصمم على إلا يدع هذا الأمر يمر دون عقاب فأعد العدة لأتباعه وأمرهم بمداهمة الجامعات ودور العلم الأخرى بتصفية ما كان يسميه باليمين الرجعي والمقصود به أولئك الطلاب الذين افشلوا مخططه في السيطرة على القطاع الطلابي أعضاء الاتحاد الطلابي ناخبين ومنتخبين وقد شارك في تلك المداهمات الأجهزة الأمنية وضباط وجنود من الجيش بلباس مدنية وأعضاء ما كان يسمى بالقوى الثورية من القطاعات الأخرى وقد استعملوا ضد طلاب عُزل من السلاح الرشاشات الاتوماتيكية والعصي والسلاسل الحديدية والأسلاك الكهربائية في حملة ضارية من الضرب والشتم والسب والاعتقال والزج بالسجن. وقد اعتصم الطلاب بجامعة (بنغازي) كما قاموا بمسيرة إلى ميدان الشجرة اقتداء بما فعل أسلافهم في مظاهرات 1964م ضد النظام الملكي وقد لاحقهم أعوان القذافي في الشوارع وقاموا بإطلاق النار عليهم من خلال رشاشات المصفحات الأمر الذي دفع الطلاب ومناصريهم في الشارع لمواجهة  تلك القوات باستعمال المتفجرات التي كان الصيادون يستخدمونها في صيد الأسماك كما قاوموهم بالحجارة وتجاوب معهم الأهالي وخاصة ربات البيوت حيث كن يخفين المطاردين من الطلبة في بيوتهن خوفا عليهم من قمع الأجهزة التي تلاحقهم في يوم مشهود من الأيام المشرفة في تاريخ (بنغازي) حيث وصلت المدينة لدرجة كبيرة من الغليان زيادة عما كانت عليه في السابق، ما زاد في ابتعاد تلك المدينة المناضلة عن القذافي وانقلابه وهو الذي كان يدعي أنها مدينة الثورة ومدينة البيان الأول.

* البيان الأول: الجدير ذكره في هذا المقام أن القذافي خطب يوم 6/4/1976م في اجتماع عام أقيم في مدينة (سلوق) وفي خطوة لافتة يقصد منها بث الفتنة بين (بنغازي) ومحيطها القريب منها طلب من مشائخ القبائل أن يذهبوا للطلبة في الجامعة ويقنعوهم بفك اعتصامهم وإلا فانه سيهاجمهم غير أن مشائخ القبائل طالبوه بالتريث ونصحوه باللجوء للحكمة واستعمال العقل في معالجة الموضوع كما نسب لأحد  مشايخ العواقير يدعى (الكزة) انه قال له: نحن و(بنغازي) واحد ولا يمكن أن نواجههم بشيء لا يريدونه، او هكذا.

القبض علي نشطاء الطلبة وسيناريو التنظيم المزعوم...

القي القبض على كل الطلبة الناشطين والمشاركين في الأعمال التي أعقبت المداهمات والصدامات سواء داخل الجامعة أو خارجها وكالعادة لم تطرح القضية كما هي في الواقع: حراك طلابي ونشاط نقابي وإنما اختير لها سيناريو آخر نفس السيناريو الذي وضع لنا عام 1973 م إبان ما سمي بالثورة الشعبية السيناريو يتضمن اتهامهم بتشكيل تنظيم حزبي رجعي شيوعي وقد اختير اثنان من المناضلين في صفوف حركة القوميين العرب والناشطين السابقين باتحاد المعلمين خلال فترة الستينات وهما الأستاذان (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) ليكونا كبش فداء يعدمان على أساس أنهما المسؤولان عن الحركة الطلابية وما جرى فيها من تمرد وعصيان وأن هذه الحركة نتاج لتخطيطهما وتدبيرهما ولفقت الأجهزة الأمنية لهما ولطلاب الاتحاد تهمة تشكيل تنظيم شيوعي كان المحرك لهذه الأعمال المضادة للانقلاب وعناصره في قطاع الطلاب في محاولة لقلب نظام الحكم، وتحت الضرب والتعذيب في معسكر (الريمي ببنغازي) وتحت الإشراف المباشر للمقبور (حسن أشكال) ذلك الضابط سيء السمعة قريب القذافي الذي نكل بأولئك الشباب الصغار وهم في عمر الزهور لا يحملون في صدورهم غير الحب لبلادهم ورفعة شأنها غير تطلعهم للحرية والديمقراطية يستعمل كل أنواع التعذيب كالضرب بالسياط والفلقة وإشعال النار في شعور رؤوسهم إلى أن يضعف ويتهاوى وتلين عريكته فيحولونه إلى المباحث العامة المتأهبة لتلقينه السيناريو المعد سلفا بهذا الشكل وعلى هذا المنوال سارت الأمور إلى أن أعلن على الملأ أن ما حدث في الجامعات هو سبب تنظيم شيوعي إرهابي كان يستغل الطلبة ويحرضهم لتحقيق أهدافه الخاصة المشبوهة ذات الأهداف والأجندة الخارجية هذا التنظيم المزعوم بقيادة (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) وظهر عدد من الطلاب الصغار عديمي الخبرة والتجربة والذين ليس لهم أية علاقة أو صلة بأي حزب أو تنظيم وهم يعترفون على شاشة التلفزيون وفي الراديو بانتمائهم لحزب شيوعي وأن كل ما فعلوه حدث بتخطيط وتدبير وتحريض من (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) جيء بهم إلى السجن وقدموا لمحكمة (احمد الزوي) الذي أتم السيناريو لنهايته فحكم على (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) بالإعدام وهما البريئان من التهمة المنسوبة لهما حسبما كانا قد قالاه لنا، وصرحا به على رؤوس الأشهاد كما حكم على بقية الطلاب ومن وقف معهم من شباب (بنغازي) بالإعدام لعبدالسلام الحشاني وهو شاب صياد سمك متعاطف، وبالسجن المؤبد للباقين، لا لذنب اقترفوه سوى أنهم أرادوا أن يمارسوا حقا من الحقوق التي تكفلها لهم شرائع وحقوق الإنسان في أن يتجمعوا في اتحاد نقابي مهني في بلادهم باختيارهم الحر النزيه لممثليهم ولم يختاروا عناصر القذافي ليكونوا على رأس اتحادهم.

السابع من ابريل

قلباً للمعايير أصبح ذلك اليوم (السابع من ابريل) من كل عام عيداً للطلاب يُحْتفل فيه بانتصار أتباع القذافي على مناوئيهم من أعضاء الاتحاد الطلابي الحر تقام فيه المهرجانات وتلقى فيه الكلمات ويشاد فيه بالقذافي محقق  ثورة الطلاب ضد الرجعية والخونة في القطاع الطلابي ويصفي فيه المعارضون حتى صار يوما اسود يتشاءم الناس من قدومه كل عام ويقولون اذا ما حل (ربنا ايفوت هاليوم على خير) في عام 1977 م في  السابع من ابريل علق المناضل (عمر دبوب) والمناضل (محمد بن سعود) علي أعواد المشانق أمام الكنيسة ببنغازي لمدة ثماني ساعات متواصلة والناس يتفرجون عليهما يتدليان في مشهد من مشاهد القرون الوسطى، حيث كانت السلطات تعلق رؤوس معارضيها على أسوار ومداخل المدن بثا للرعب والخوف في قلوب الناس كما شنق المناضل الطلابي (مصطفى النويري) رئيس اتحاد الطلاب في السابع من ابريل عام 1983 م في  ساحة كلية الحقوق بطرابلس وشنق المناضل (محمد حفاف) في نفس اليوم في ساحة كلية الهندسة بعد عشر سنوات من سجنه في مشاهد مخزية للنظام ولأعوانه أمام مجموعات من الطلاب المرعوبين كما تمت تصفية آخرين في السابع من ابريل من أعوام أخرى في مشاهد مماثلة حتى صار ذلك اليوم علامة فارقة في تاريخ بلادنا مجللة بالسواد وصار أعوان النظام يتبجحون بالقول كل يوم هو يوم السابع من ابريل وكل ليلة هي ليلة الفاتح اذا ما أرادوا التلويح بإدخال الخوف والرعب في قلوب الناس. المهم أن النظام أراد أن يجعل من ذلك اليوم نقطة يتوقف عندها الليبيون اذا ما فكروا في أن يقوموا بأي عمل ضد النظام فالسابع من ابريل ينتظرهم.

قضية الصحافيين والأدباء الشباب...

في الإطار نفسه ولتثبيت سلطة القذافي ومنع أي اختراق من أي كان ولو كان هذا الاحتمال بعيداً، حدث اعتقال هذه المجموعة من الشباب بشكل مسرحي مضحك مبكِ في آن، هم عبارة عن مجموعة كتاب وشعراء من الشباب الصغار في ذلك الوقت كانوا يكتبون في جريدة ثقافية أسبوعية كانت تصدر آنذاك باسم الأسبوع الثقافي يرأس تحريرها (عبد الرحمن شلقم) وكانت على قدر لا باس به من المسؤولية والمعقولية والجرأة في تناول المواضيع الثقافية العامة ذات الحساسية التي تتطلب معالجة ذات دقة ومهارة وموضوعية عالية وكان أولئك الشباب يعطون تلك الجريدة نكهة خاصة وطعما خاصا استقطب الكثيرين من القراء والمتتبعين ولكون طرح هؤلاء الشباب مختلفا في الشكل والمضمون وأسلوبهم في الكتابة متميز عما كان مطروحا في الصحف الأخرى اذ كان لبعضهم نزوع في الكتابة شبيه بكتابات اليساريين المصريين زمن عبدالناصر. لم يكن مسموحا بأي حال وجود أي اختلاف حتى ولو كان من داخل التوجه العام للنظام بناء عليه فقد تم التحريض عليهم والكيد ضدهم من قبل (احمد ابراهيم) وزمرته في اللجان الثورية من أمثال (مصطفى الزائدي) و(يونس معافه)  و(صالح ابراهيم) وصاروا ينعتونهم بالمندسين والشيوعيين والمضادين وأصحاب الأفكار المستوردة وهلم جراً.. وكان القذافي يبارك هذا التوجه ضدهم بل ويشجعه. في احد الأيام عقد أولئك الشباب أمسية ثقافية في ذكرى رحيل الشاعر الليبي المعاصر (علي الرقيعي) بمسرح ببنغازي لتناول شعر ذلك الراحل الكبير وتكريمه باعتباره علامة من العلامات البارزة في الشعر الليبي الحديث هيأ بشعره الوطني الأرضية الخصبة للتمرد والثورة على الأوضاع البالية وبشر الناس بالأمل والمستقبل الوضاح وهو طرح كان من الممكن قبوله لو أحسن القذافي وأتباعه الظن بالناس ونظروا للأمر من خلال أفق وطني يتسع الجميع ولكن لكونهم لا يريدون شراكة من احد بأي دور ولو كان لشاعر، للتمهيد لما قاموا به من انجاز يعتبرونه إعجازاً ولذلك قاموا باقتحام تلك الأمسية واقفلوا الأبواب على الداعين والمدعوين كانوا ثلة من أعضاء اللجان الثورية يتقدمهم المدعو (احمد ابراهيم) كانوا مدججين بالسلاح صعدوا على خشبة المسرح واخذوا يتلون وثائق اتهام لكل واحد من هؤلاء الكتاب في مشهد مسرحي مأساوي مخيف كانوا يقتطعون عبارات من كتاباتهم ويخرجونها عن سياقها العام الذي كتبت فيه ويفسرونها بما لا تحتمل، ويدعون أنها موجهة ضد الثورة أو ضد قائدها أو انه يقصد بها كذا أو كذا وخلصوا إلى النتيجة بالحكم بإعدامهم جميعا وطلبوا التنفيذ حالا وأمام الناس وظلوا على هذه الحالة إلى ساعة متأخرة من الليل إلا انه وبعد أن بدأ الناس بالصالة يظهرون التململ والضيق مما يجري أوثقوا مجموعة الكتاب بالقيود وساقوهم للسجن وتركوا مجموع الناس يذهبون في حال سبيلهم بعد أن كالوا لهم الشتائم والاهانات وعرضوهم لصنوف من الخوف والترويع في ليلة من ليالي الثقافة القذافية، حدثت هذه الواقعة في ذكرى وفاة شاعر ليبي متوفي منذ سنتين في محاولة من بعض الناس لتكريمه وإجلاله، احتراما للثقافة والأدب، بعدئذ صارت الصحافة تحمل طابعا واحدا لا تختلف عن بعضها البعض كلها تمجيد وتسبيح باسم البطل الذي لم تنجب نساء العالمين مثيلا له، أما تلك المجموعة من الكتاب الشباب فقد مُرروا على محكمة برئاسة قاض مأجور بعد تحقيق شكلي أصدرت عليهم حكمها بالسجن المؤبد في جملة المحاكمات التي مهدت لانبلاج فجر الحرية عام 1977 م، فجر سلطة القذافي المطلقة كما مر بنا تزعم المجموعة التي داهمت الكتاب والصحفيين بالمسرح وألقت عليهم القبض وساقتهم إلى السجن المدعو (احمد ابراهيم) الشخص المقرب من القذافي وهو ليبي عائد من تشاد وكان قد شارك في أحداث جامعة (بنغازي) 1976 م في حملة ترويع وإرهاب الطلبة والمعلمين بها وقد عين فيما بعد وزيرا للتعليم، لعب على رأي كثير من الليبيين الدور الأساسي في تنفيذ سياسة قائده من إبعاد للعناصر الوطنية الشريفة من هذا القطاع، وقام  بإلغاء اللغات الأجنبية من المناهج وحرم الطلاب المتفوقين من إتمام دراستهم العليا وقصر هذه الدراسات فقط على الموالين لسيده ونظامه حتى وأن كانوا من غير المتفوقين كما أمعن في التشديد على تنفيذ سياسة القذافي في محاربة الفكر فخلت السوق الليبية من الكتب الجيدة كما حارب المثقفين الذين لديهم بعض  التوجهات النيرة الامر الذي ادى لانزواء غيرهم ممن خاف على نفسه من تلك التهم التي يمكن أن تلصق به. كما تولى فيما بعد وظيفة أمين مساعد لمؤتمر الشعب العام وقد استغل هذا الموقع في فرض إرادة القذافي وتمرير سياسته من خلال هذا المنصب كما مارس تزييفا وتزويرا لإرادة الليبيين وتغييبا لمطالبهم في هذا المؤتمر الذي من المفترض انه يعبر عنهم.

حركة عمر المحيشي...

في السياق ذاته وفي إطار تصفية الجيش عام 1975 م ألقي القبض على عدد كبير من الضباط الشباب، فيما صار يعرف بمحاولة (عمر المحيشي)  من مختلف الوحدات والمواقع والأسلحة وزج بهم في غياهب السجون وكان من بينهم ضباط رفيعوالرتب يشغلون مواقع هامة مثل (عمر الحريري) والمعروف  (أ بوليفه) وهو من المقربين للقذافي وحراسه الخاصين ويروى عن القذافي انه أصيب بالهلع حين علم باشتراك (أبوليفة) في الحركة لأنه كان لا ينام إلا وهو واقف فوق رأسه أو هكذا يقال وقد فر (أبوليفه) من معتقليه ولكنه قتل بالقرب من الحدود التونسية وهو يقاوم اعتقاله وقد سمعت عن  شقيقه بالسجن بعد اعتقاله أثناء محاولة تهريب أخيه وبقي بالسجن لسنوات طويلة. الأمر كما رواه المرحوم (عمر المحيشي) عن تلك الحركة في أحاديث للراديو المصري، كان عبارة عن كتابة عريضة بمطالب ضباط من الجيش تتعلق بنظام الحكم والحياة الدستورية وقع عليها حوالي 200 ضابط وقد استغلها القذافي في تصفيه أولئك الضباط من الجيش وعلى رأسهم (عمر المحيشي) و(عبد المنعم الهوني) و(بشير هواري) و(عوض حمزة) من مجلس قيادة الانقلاب، قُدم المعتقلون إلى محكمة عسكرية خاصة قضت بإعدام 23 ضابط منهم وبسجن الباقين لمدد طويلة، ومما اذكره أن محاكمتهم جرت في نفس توقيت محاكمتنا حيث ابلغني المحامي الذي كان يترافع للدفاع عني بوجوب الاعتدال والمرونة لأنه حسبما قال:  "بالأمس صدر حكم بالإعدام ضد ضابط كان يدافع عنه وضعه القانوني أفضل مني بكثير"، وقد نفذ حكم الإعدام الذي أصدرته تلك المحكمة في حوالي 22 ضابطا منهم في الرابع من ابريل عام 1977م في ذلك اليوم المشؤوم بعد إعلان ما سمي سلطة الشعب بشهر واحد داخل الوحدات العسكرية وأمام الضباط والجنود في مشهد كئيب ومؤلم ليكون درساً وعبرة لمن يفكر في تحدي سلطة القذافي. كانت فرقة الموت تحضر الضابط المراد إعدامه وهو معصوب العينين ويربطونه إلى عمود أوشجرة أمام الجميع ويطلقون عليه الرصاص في مشهد فجائعي غير مألوف بالنسبة لليبيين ويتركونه مضرجا في دمائه عدة ساعات كما جرى بعد ذلك  بثلاثة ايام في السابع من ابريل، تعليق المرحومين (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) على أعواد المشانق أمام الكنيسة ببنغازي مدة ثماني ساعات كما علق بالقرب منهما وعند مدخل ميناء (بنغازي) المرحوم (عمر المخزومي) المطرب المعروف  مع احد المواطنين المصريين بحجة أنهما كانا من عملاء المخابرات المصرية كانت جثث هؤلاء الأبرياء تتدلى في مشانقها، بادية للرائح والغادي.

إعلان سلطة القذافي وفرض كتابه الاخضر...

بهذا المشهد الدامي الذي نشر الرعب والفزع بين الناس مدنيين وعسكريين وخلق أجواء من الإرهاب والخوف بدأت مرحلة ما صار يعرف بسلطة الشعب في دولة الجماهيرية العظمى والتي لا تعدوفي حقيقتها إلا أن تكون ترسيخاً وتثبيتاً لسلطة القذافي المطلقة وإلا كيف يمكن تفسير هذا التنكيل الفظيع بالناس؟ على أساس قضايا يفترض أنها حصلت خلال فترة القذافي نفسه قام باستبدالها وتغيير شكل الدولة فيها حيث ألغى الإعلان الدستوري واستبدل العلم وأنهى مجلس قيادة الانقلاب أعلى سلطة في الدولة حسب رايه تغير النظام بالكامل ولم يغير القذافي نظرته نحو من عارضوا ذلك النظام فالمسألة إذن في نظره ليست قضية معارضة نظام وإنما هي إزالة عوائق وعقبات في طريقه نحو الاستفراد والاستبداد بالسلطة، تخلص من جميع شركائه الذين كانوا لا يوافقونه على سياساته ومخططاته سواء داخل مجلس الانقلاب أو باقي قطاعات الجيش كما تخلص من المدنيين الذين يظن أنهم يمكن أن يشكلوا بؤرا لاستقطاب المعارضة له ولسياساته الانفرادية والاستبدادية وخلق جوا من  التخويف والإرهاب بحيث يخلو له الجو ليصبح اللاعب الوحيد على مسرح السياسة في البلاد، تجلله هالة من العظمة والكبرياء وتحيطه حفنة من المطبلين والمزمرين والإتباع المأجورين فيما يسمى باللجان الثورية المتوثبين دائما رهن إشارته للانقضاض على أي مواطن وتصفيته أو تصفية الحساب معه كما استخدم لنظامه ديكورا يعتمد على ما يسمى باللجان الثورية والمؤتمرات الشعبية اعتمد على عدد من الناس  الذين تحركهم المصالح الذاتية والأهواء الشخصية والقبلية وهم لا يملكون إلا الموافقة على ما يطرح عليهم من سياسات وتوجيهات القائد والويل لمن يفكر مجرد تفكير في مخالفة هذه السياسات والتوجهات. هيمن على البلاد وفرض كتابه الأخضر على الناس ذلك الكتاب الذي صار دستور البلاد وكتابها المقدس يلقنه للناس في كل آن وفي كل مكان وأصبحت مقولاته على كل لسان يستند إليها المتحاجون والمتخاصمون لإثبات صدقية كل منهم وثوريته في وجه خصمه ولتحقيق مصالحه، وتصدرت هذه المقولات الميادين والساحات والشوارع وحوائط المباني العامة والخاصة وبوسائل المواصلات بخطوط كبيرة وتصدرت المقولات بالصحف البائسة التي بدأت بالظهور مثل الزحف الأخضر وغيرها، تلك الصحف التي لا تمت للصحافة وأخلاقياتها بأية صلة كما أنشئت إذاعات خاصة موجهة تتغنى بالقذافي وبأمجاده وانتصاراته الرائعة وتدعو ليل نهار لاعتناق كتابه الأخضر وفكره المجيد، ذلك الفكر الذي وصف بأنه خلاصة الفكر الإنساني ولن تجود بمثله الأيام ولا أحسن ولا أفضل منه في السابقين ولا في اللاحقين والويل لمن يفكر في أن يناقشه مجرد مناقشة، من يكون وكيف يجرؤ بحيث صار من السهل مناقشة القران الكريم وأحاديث الرسول والتجديف فيهما على رؤوس الأشهاد ولا يسمح بإبداء أية ملاحظة ولو كانت يسيرة عن الكتاب الأخضر وفكر القائد الذي أصبح (تابو) مقدسا وظهرت لهذا الكتاب دار لأبحاث ودراسات، كما انبرى لشرحه والدفاع عنه فلاسفة ومنظرون من أمثال (احمد ابراهيم) و(رجب بودبوس) وغيرهما، عقدت المؤتمرات والندوات وصرفت على طباعته وترجمته الملايين وتقاطر على البلاد الفقهاء والشراح في الفكر السياسي وصاروا يتسابقون على تقديم الأبحاث لإعطائه معقولية ومقبولية يفتقدها وغير موجودة به من اجل حفنة من الدولارات والاستمتاع بهواء وشمس بلادنا الحبيبة التي كتمت فيها أنفاس مواطنيها.

تأمــيـم التجــــارة...

بعد إتمام تطبيق الركن السياسي وقيام سلطة القذافي عبر ما يسمى بالمؤتمرات واللجان الشعبية المسكينة عمد القذافي إلى تطبيق الركن الاقتصادي من كتابه الأخضر، وكان كارثة على المواطنين إذ ألغى التجارة الخاصة واحل محلها ما سمي بالأسواق الشعبية والجمعيات والتي ما وجدت مواطنا في ليبيا يذكرها بخير جمع التجار السابقين بعد أن تمت مصادرة محلاتهم الخاصة في محلات عامة وحولهم إلى موظفين يتقاضون مرتبات من الدولة فأهملت حاجات الناس وانتشر الاختلاس والسرقات وعم الفساد لدرجة انه صار من المألوف أن يشب حريق في السوق العام في نهاية السنة المالية حتى لا يفتضح أمر  هذه السرقات والاختلاسات ووصل الأمر لدرجة أن يقف المواطنون في طوابير طويلة أمام الأسواق ولساعات طويلة  لعلهم يحصلون على حاجياتهم وفي مرات عديدة كانت السلعة تنفد قبل أن ينتهي الطابور، كما كان المواطنون يتسقطون أخبار السلع والبضائع ويحدث أن يقطع المرء المسافات الطويلة من اجل قطعة ملابس أوحذاء لصغير عله يجده في سوق بعيد، كما يحكي الناس أنهم كانوا يقفون بهذه الطوابير لأتفه الأشياء حتى للخضراوات والبيض والتبغ وغيرها وكان الناس يتزاحمون النساء والرجال والأطفال على شبابيك الأسواق وفي أحيان كثيرة كان الأشقياء يقفزون فوق الرؤوس دون حياء أو خجل أما المستحون فكان نصيبهم قبض الريح وحصاد الهشيم لا يلوون على شيء وقد عانى كبار السن والنساء ومن ليس لديه عائل من نقص الحاجات وضاقت بهم السبل وعانوا من الاحتياج ومن الحكايات المتواترة ما يحكيه الناس عن ألاكياس التي توضع فيها بعض الأشياء مقابل مبلغ نقدي معين كان الموظفون بالسوق يرمونها للمواطن ويحدث أن تكون بها أشياء ليست مطلوبة لديه ويضطر للوقوف لاستبدالها مع مواطن آخر يكون في حاجة إليها، سمعت بعد زوال هذه الدكاكين "الفضيحة" من المواطنين من كان يطالب باعتذار من النظام عما لحق بالناس من مهانات من هذه الأسواق البائسة كما ألغيت شركات القطاع الخاص وتم الزحف عليها فيما سمي بثورة المنتجين وحولت لشركات عامة فنهبت وسرقت واختفت أصولها من أموال وآلات ومعدات ولوازم تشغيل من قبل عصابات وزبائن القذافي بعد أن كانت تساهم في أعمال البناء والتنمية وضاعت على البلاد تلك الشركات وما كانت تنطوي عليه من خبرات ومهارات وكفاءات كان من المفترض أن تساهم مع قطاع الدولة في التنمية والبناء والنتيجة ضاعت الشركات الخاصة ولم يستطع القطاع الحكومي أن يسد الثغرة التي خلفتها إجراءات القضاء على القطاع الخاص وذلك بسبب تكدس أعداد هائلة من المنتجين فوق ما يتطلبه  العمل وعدم كفاءة المديرين والمشرفين على تسييره وكذلك لعدم إيمانهم بجدوى هذا القطاع والمحصلة هي فشل هذا القطاع وعجزه عن أداء دوره في عملية التنمية فأصبح مرتعا لعمليات الفساد والإثراء الفاحش حيث استفاد الذين احتلوا المواقع الإدارية في القطاع العام من السرقات والنهب وأعمال المضاربة والعمولات وبذلك تكونت  فئة جديدة ذات غنى فاحش وثروات هائلة وضاعت على البلاد فرصة تنمية حقيقية كان يمكن أن تدفع بالبلاد قدما إلى الأمام درجات كبيرة، كما روج لشعار شركاء لا إجراء وهو من أكثر الشعارات تدليساً وكذباً على الواقع كما مر بنا تكونت من الزحف على الشركات طبقة من المديرين والمسؤولين من أتباع النظام يتحكمون في هذه الشركات التي تكونت عقب عملية الزحف دون حسيب أو رقيب بينما ظل العمال يعانون أوضاعاً سيئة ابتداء من انخفاض الأجور مرورا بالعمل بعقود مؤقتة وبشروط مجحفة كما كانوا يطردون من أعمالهم لأتفه الأسباب دون أن يستطيعوا إبداء أي نوع من الاحتجاج إذ أن الاحتجاج والإضراب والتظاهر ممنوع بحكم القانون يعرض القائم به لعقوبات هائلة، لا وجود اذا للمشاركة في عملية الإنتاج  إنما هو شعار يتردد دون مضمون سواء في أعمال الإدارة والعمل أو مردود مالي يعود على العمال بالنفع وتحسين الأوضاع كما كانت أيلولة ملكية البيوت لمستأجريها تطبيقا لشعار البيت لساكنه وهو شعار قطع الطريق على الاستثمار في مجال البناء فأصبح المواطن لا يفكر في بناء بيت غير بيته الخاص به ولا يمكنه بناء عقار بقصد  تأجيره لمنعه أولا من البناء ولخوفه من استيلاء المستأجر عليه ولما كانت الحكومة قد توقفت عن تشييد المساكن خلال تلك السنوات فقد حدثت أزمة سكنية يعاني منها الناس اشد المعاناة وخاصة الشباب الذين ينشؤون اسر جديدة. رغم الحديث صباح مساء عن سيطرة الشعب على السلطة والثروة والسلاح وأنه يسيطر على سلطته عبر المؤتمرات واللجان الشعبية فأن ابسط مواطن في ليبيا يقول لك (في الريح) وهي مقولة شهيرة في شحات، لم يتحقق من توصيات وقرارات تلك المؤتمرات أي شيء وظلت لا تساوي حتى ثمن الحبر الذي كتبت به ما لم يوافق عليها القذافي أو تكون من توجيهاته كما أن اخطر القرارات التي اتخذت في السنين الماضية اتخذها القذافي دون الرجوع لمؤتمراته ولجانه الشعبية حتى بصورة شكلية ابتداء من سلسلة إعداماته وتصفياته التي استهل بها سلطته الشعبية وتسليمه (لفحيمه والمقرحي) والمليارات التي دفعها تعويضا عن ضحايا طائرة لوكربي وإرضاء للأمريكان وإسكاتهم وثنيهم عن الانتقام منه وكذلك إفراجه عن الممرضات البلغاريات المدانات في قضية أطفال الايدز وحروبه في تشاد وأوغندا ومصر ومغامراته في كل أصقاع العالم وأخيرا تسليمه لبرنامجه النووي المزعوم لأمريكا بعد احتلالها العراق. هذا إضافة إلى أن قطاعات معينة مثل النفط والمالية والدفاع والأمن  ظلت تحت إشرافه المباشر ولم يسمح بأي دور لغيره فيها ليتصرف فيها كما يشاء وكأنها شأن خاص به وقد كسب المليارات وبسط سيطرته الكاملة على الأمن والجيش فازداد عتوا وجبروتا ليتصرف بالبلاد وشعبها كأنها مملكة تحت حكم ملك متوج من ملوك القرون الوسطى.

ليلة إعدام دبوب وبن سعود والمخزومي...

ربما كان من الضروري الحديث عن تركيز السلطة في يدي القذافي بشكل كامل تمهيدا لما سيأتي من صنوف التنكيل والتصفيات الجسدية والأوضاع المزرية في السجون والتي بدأت بإعدام الإخوة ضباط الجيش (عمر دبوب)  و(محمد بن سعود) و(عمر المخزومي) في أوائل  ابريل عام 1977م. رغم انه كان يشاع أن القذافي مقدم على إعدامات في صفوف معارضيه فقد كنا نستبعدها ربما للحاجة لجرعات من الأمل والتفاؤل لزوم التماسك والصمود كما أن البعض يتصور أن القذافي اجبن من أن يقوم بإعدام أناس ليبيين الأمر الذي يثير في وجهه متاعب هو في غني عنها وكنا نفسر تلك الإشاعات على أنها صناعة مخابراتية بقصد خلق أجواء من الإرهاب وتثبيط الهمم والعزائم ولكن سماعنا بإعدام الضباط الذين حكمت عليهم المحكمة العسكرية بالإعدام، جعلنا نخشى على الأخوة (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) من قضية اتحاد الطلبة وكذلك المطرب (عمر المخزومي) ومواطن مصري معه، وكذلك الأخوين (المبروك الزول) و(عبدالغني خنفر). في ليلة السابع من ابريل 1977 م كان البعض منا قد آوى إلى فراشه ونام والبعض الآخر يتسامرون كالعادة - وقد يطول السمر إلى الصباح فليس لديهم ما يشغلهم الليل والنهار في السجن سواء - واذا بحركة غير عادية تدب بالسجن على غير العادة في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل أصوات أناس حركة أقدامهم تحدث جلبة عالية في سكون الليل البهيم، ثم أبواب الورشة المحاذية لقسم السياسيين تفتح الساعة الثانية صباحا أثارت هذه الحركة الغير عادية فضول الإخوة الذين لا زالوا بالساحة أمام الغرف يتسامرون فاخذوا في التطلع من كوة الباب الكبير الخارجي للقسم، لمعرفة ماذا يحدث وبدأت أصوات آلات النجارة تملأ فضاء السجن الأمر الذي أيقظ النيام منا جميعا كانت من الحدة والإزعاج بحيث دفعت مجموعة منا إلى التجمع أما الكوة الصغيرة بالباب الخارجي للقسم، والتساؤل عما يحدث وما الذي دفع بهم لتشغيل ورشة النجارة في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ وكانت تدور بنا الأفكار وكنا نستبعد كل فكرة سيئة تمر بأذهاننا، حتى لا يُرى صاحبها بأنه مثبط ومتشائم، فالناس لا يودون سماع السيء من التخمينات وخاصة اذا كانوا في وضع كرب، فهم دائما في حاجة لمن يرمي إليهم بطوق نجاة مهما كان شكله، أخذنا في تصيد احد أفراد الشرطة ممن نعرف ونثق به لنسأله عن الأمر لكن دون جدوى مر الكثيرون دون أن يلتفتوا إلينا، وآخرون كان الضيق بادياً على وجوههم وفي آخر المطاف مر من أمامنا احدهم كنا نعرفه ونحبه لتعاطفه معنا دائما التفت نحونا بوجه عابس وهو يقول "أنهم يصنعون مشانق الأمر مستعجل ربنا يستر" قالها بصوت متهدج وهو مسرع في طريقه إلى الخارج  استمرت تلك العملية إلى الصباح لم يهنأ لنا بال ولم نذق طعم النوم ليلتها أخذنا نخمن من سيكون الضحية يا ترى؟ أو من سيكون ضحايا هذه العملية الغادرة؟ كما هو معروف هناك خمسة أشخاص محكومون بالإعدام عشنا حالة من القلق والخوف على مصير أصدقائنا الذين نعرفهم ويعرفوننا عاشرناهم وعاشرونا أحببناهم وأحبونا جمعتنا أحلام وآمال واحدة عرفنا أسرهم وأطفالهم وزوجاتهم وآبائهم وأمهاتهم، كيف ستكون أحوالهم اذا ما اعدم هؤلاء الأصدقاء؟ ثم نستبعد موضوع إعدامهم من جديد ونسوق الحجج لتأكيد هذا الاستبعاد هناك عدد من المحكومين بالإعدام ومع ذلك لم يقم القذافي بإعدامهم هنالك (الحواز)  و(الواحدي) و(الرابطي) و(عبدالونيس) و(احمد الزبير) ثم نعود ونسأل ومن ادرانا بأن القذافي  سيعدمهم هم ايضاً، اذاً ما الذي يجعل القذافي يقوم بإعدام (دبوب وبن سعود والزول وعبد الغني والآخرين دون غيرهم، ولكن المسالة تجري، الخبر أكيد والتخمين قائم، لمن يصنعون المشانق؟ وفي هذه الربكة والحيرة بدأ رجال الشرطة يخرجون تلك القواعد من الورشة أنهما قاعدتان بعوارض تتسع لأربعة أو خمس مشانق، اذاً لخمسة رجال، الجماعة خمسة اذا، أضفت لهم (المخزومي)، توصلنا لهذا الاستنتاج و ليتنا لم نتوصل إليه كان صباحا بائسا كئيبا عمّنا الحزن والهم وكلحت وجوهنا، أيقنا أن القذافي عزم على تنفيذ الإعدام في هذه الكوكبة من المناضلين حتي انه وسوف ينفذ كل الأحكام القديمة قياسا على مانري، أي انه قرر تطهير السجون من المحكومين بالاعدام وقرر ارتكاب مجزرة كما وصلنا من أخبار ليست إشاعة بل حقيقه، إذن فليكن الله في عونهم. علمنا من الشرطة بعد وقت أنهم نقلوا المرحوم (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) والمرحوم (عمر المخزومي) والمصري معهم إلى خارج السجن،   بينما ابقوا (المبروك الزول) و(عبد الغني خنفر) بعد أن عملوا لهما مسرحية مرعبة اذ اخرجوهما من الزنازين ثم أعادوهما بعد مدة على أساس ان بالأمر خطأ. في نشرة المساء بالتلفزيون  شاهدنا كما شاهد الليبيون والعالم أولئك الفرسان الأبرياء وهم يتدلون من أعواد تلك المشانق التي (سودت) ليلتنا الفائتة ابقي أولئك الرجال يتدلون من مشانقهم مدة ثماني ساعات كاملة ليكونوا عبرة لكل من يعارض القذافي أو يعترض طريقه من الليبيين أو غير الليبيين رحم الله أولئك المناضلين، لقد كان إعدامهم صدمة للضمير الوطني وخدشاً في كبرياء شعبنا وتجربة مريعة في تاريخ النظام القذافي الغاشم تجرأ بعدها على أن يفعل بالشعب الليبي ما يريد دون أن يستطيع أي كان أن يوقفه عند حد. بعد انتهاء عملية الإعدام أحضرت تلك الألواح "المشانق" إلى السجن وألقيت بغرف الزيارات فصار الزوار والمزارين يتخذون مصاطبها مقاعد لهم يجلسون فوقها أثناء الزيارات ولم يكن الكثيرون منهم يدرون ما هي كانوا يجلسون فوقها وهم مستريحون هانئو البال على الأقل لسلامة أبنائهم وما كانوا يدرون أن أرواحا طاهرة لنخبة من ابناء الوطن أزهقت فوقها وبسببها كانت زيارة العارفين بها في تلك الآونة مقلقة وغير مريحة لان صور الشهداء لم تفارقهم خلالها. نجا (المبروك الزول) و(عبد الغني) من تلك المجزرة بأعجوبة وظلا بقسم الزنازين وكانا يحظيان بتعاطف رجال الشرطة المكلفين بحراستهما فكنا نستغل الفرص لزيارتهما والتحدث معهما ونوصل إليهما ما كان يأتينا في الزيارات من أهلنا لأنهما منعا من الزيارة وقد خفف عنهما ذلك كثيرا وأزال بعضا من همومهما وقلقهما وحفزهما لقبول عودة فكرة الأمل والتفاؤل، وصرنا نتحدث من جديد عن استبعاد تنفيذ حكم الإعدام بهما وصار هناك من يقول لو كان  للقذافي نية إعدامهما لما فوت هذه الفرصة  وهو رأي ربما كان صائباً في ذلك الوقت، المهم أن الإنسان دائم البحث عن بارقة أمل ولو كانت ضئيلة، تلك البارقة المضيئة التي نحتاجها لاستمرار حياتنا بالسجن، واذا غابت عنا فغالبا ما كنا نخترعها، وبعد لأي نصدقها، المهم انه بعد مدة نقل (الزول وعبد الغني) إلى القسم معنا وهدأت الخواطر بشأن وضعهما وأبعدت بعض الهواجس حول مصيرهما وأخذت أوضاعنا تعود لسابق عهدها حيث استرجعنا معنويات كانت فترة الأزمة قد نالتها بشيء من الهبوط، فاتخذنا من مصير (عمر دبوب) و(محمد بن سعود) مثلا نقيس إليه، فلسنا بأفضل منهم في شيء واستمدينا من مثالهم قوة وعبرة وجلداً وقدرة على الصبر والاحتمال وبتنا لا نخشى على أنفسنا ونعتبر أطفالنا وأسرنا كأسر أولئك الشهداء وعادت الحياة في قسمنا إلى مجراها العادي.

قـسـم المـؤبــد...

بعد عودتنا من (طرابلس) أنزلنا بقسمنا السابق الذي كنا نقيم فيه وجدنا به الإخوة (احمد يوسف بورحيل) و(عبد المولى دغمان) والمرحوم (عبد الله شنابو) و(صالح الالوجلي) أما نحن فكنا (محمد المفتي)و(عبد العاطي) و(عبد الجليل) و(المنفي) و(الحزر) و(الفسي) و(المقصبي) والشيخ و(أبوسريرة) و(فنوش) و(فرج الصالح) و(صالح عبدالله) و(الهنيد) وأنا، كما كان معنا من مجموعة حزب التحرير (صالح النوال) و(عبد الله المسلاتي) كان وضعنا مريحا نوعا ما، المعاملة طيبة من أفراد ومراتب الشرطة، لقد ألفونا وتعودوا على معاشرتنا ولا يخفون تعاطفهم معنا ربما لقناعتهم بأننا لا نستحق ما تعرضنا له من قهر وتنكيل كل هذه السنين ولذلك فقد كانوا دائما جاهزين في الوقوف على خدمتنا وتلبية احتياجاتنا برضى تام، وبناء عليه لم يكن ينقصنا شيء من الأكل ومتطلبات الإقامة، أقمت كل هذه المدة بالحجرة الرابعة برفقة كل من (عبد الله شنابو) و(فرج الصالح) دون أن نفترق، كان كل واحد منا يتخذ زاوية من زوايا الغرفة يضع سريره فيها وبالزاوية الرابعة عند المدخل على اليمين كنا نضع دولابا حديديا من السجن نرتب فيه أدوات ومعدات الطبخ وكذلك مصروف الطعام والشاي، كما كنا نفرش أرضية وسط الغرفة بمجموعة بطاطين نجلس عليها وقت الأكل أو الشاي ووقت لعب الورق أو حين يأتي إلينا زائر من السجناء من خارج القسم فكثيرا ما كان النزلاء العاديين من الأقسام الأخرى يأتون لزيارتنا وقضاء بعض الوقت معنا وكنا نقوم باستضافتهم وتقديم الوجبات وأعداد الشاي والقهوة لهم فقد كنا نمتلك موقدا كهربائيا وطناجر  وصواني وملاعقا وغيرها وكان مسموحا لأهالينا أن يحضروا لنا ما نطلبه منهم من لوازم الطبخ وكان في مقدرتنا أعداد الوجبات التي نشتهي ونتمنى وكان الإخوان (فرج وشنابو) يتنافسان في أيهما يعد أكلة أفضل من الآخر، طبعا هذا البرنامج غير ما كان يعده طباخ سوداني بمطبخ قسمنا عند وجبة الغداء والعشاء،   كلف هذا الطباخ من إدارة السجن بإعداد وجبات الأكل للقسم كله، وكان يعاونه يوميا احد النزلاء وكانت وجباته جيدة غير انه كان لكل حجرة برنامج خاص أسوة بما نفعل كانت صحبتنا جميلة خففت عنا كثيرا من المعاناة والآلام ظفرنا خلالها بأوقات لطيفة اختلسناها من أوقات السجن الثقيلة بقيت في ذاكرتنا لا تكاد تمحى مع مرور الزمن كنا نعبر عن أمالنا وأشواقنا ونبث شكاوانا لبعضنا ونتبادل الأدوار مرة شاكي ومرة مستمع لشكوى غير أن هذا لا يعني أننا كنا سمن على عسل دائما، فقد يحدث أحيانا أن نختلف أو نتوتر من خلال تعليق أو تصرف لا يرضى عنه الآخر أو خلاف حول وجهة نظر ولكن في النهاية نتجاوز عن زعلنا ونعود أدراجنا لسابق حياتنا المعتادة ونمضي، وكانت الساحة الكبيرة متنفسا لنا نفرغ فيها شحنات من النشاط الزائد والتوتر والاحتقان وأحيانا الزعل والاكتئاب كنا نقضي بها معظم وقتنا في المشي وممارسة التمارين الرياضية ولعب الكرة والتعرض للشمس واستنشاق الهواء كان لدي فراش كنت اطرحه بركن قصي من أركان الساحة لأجلس عليه وأتمدد فوقه كما كان عندي جهاز راديو أتابع من خلاله الأخبار والتعليقات بشكل مستمر حتى صرت (حريف استماع) لا يكاد يفوتني خبر أو تعليق أو برنامج سياسي وخاصة ما يتصل منها بليبيا والعالم العربي ومع هذا أعود لأقول أن للسجن وطأة تثقل كاهل السجين وتؤرق مضجعه وينتابه الحنين والاشتياق للأسرة وللأطفال والحرية تشكل وجعاً وأملاً لا يكاد يفارقه بين لحظة وأخرى، قراءاتي في تلك الفترة كانت تتمحور حول الكتاب الديني والتاريخ الإسلامي والفلسفة الإسلامية والشعر العربي عبر عصوره المختلفة وفي الأثناء حاولت تأليف كراس عن هلوسات القذافي عن الوحدة العربية والاشتراكية وقد استعنت بما نشر له من خطب وتصريحات ولقاءات في السجل القومي والفكرة تقوم حول تجميع ما قال في الموضوع الواحد من أقوال متناقضة وأحيانا متعارضة وقد احرقت ذلك الكراس أثناء العمليات التي كانوا يقومون بها، لتفتيشنا، فيما بعد من الأوقات لئلا يعثروا عليه.

رسالة مهربة إلى زوجتي...

لإلقاء الضوء على تلك الفترة سأستعين برسالة مهربة إلى زوجتي بتاريخ 25 /12/1977م... أقول لزوجتي:

((بعد التحيات والسلام على الجميع... أنها العاشرة من مساء 19/12/1977م بعد تسع ساعات من الآن سوف نلتقي اذا حضرتم، ولا اعتقد أنكم ستتغيبون، عند قرب الزيارة يبدأ حنيني إليكم يزيد وشوقي إليكم يكبر، وتأخذ الذكريات تطرق خيالي طرقاً ولا أجد ما افعل سوى أن أناجيك وأبثك أشواقي وحنيني، فأنت أنيستي في غربتي وشريكتي في حلوتي ومرتي، أنتِ الطيف الذي يسليني في ليالي السجن الموحشة أنت الابتسامة التي تذهب عني يأسي وتوعدني بالأمل والمستقبل أنني أدعو من كل قلبي أن تنتهي شدتنا في اقرب فرصة، لنواصل حياتنا كما كانت، ويأتي دور الأطفال: إنني أفكر فيهم كثيراً وأخاف إلا يحالفهم الحظ في النجاح بدراستهم ولذلك فأني أوصي زوجتي، بالعناية بهم كثيراً وأن تساعدهم في أعمالهم المدرسية وتشجعهم على المذاكرة وأن تراقب سلوكهم باستمرار وتنبههم إلى السلوك الحسن وتحثهم على أتباعه، والسلوك السيء وتأمرهم باجتنابه، وفي النهاية أقول أنها الثانية عشرة ليلا استمع الآن لأغنية نجاة الصغيرة التي تقول (ورجعنا الطريق وحدينا من غير كلمة وداع وكل واحد فينا حس أن أمله الحلو ضاع) لأقول لزوجتي: لا لن يضيع أملنا أبدا وسنعود، و طلبت منها أن تطلب من أخي (احمد) أن يزرع أشجار فاكهة في حديقة منزلنا لعلها تثمر، ذات يوم نحتاج فيه إلى ثمار، و بالفعل هذا ما كان.))

حين أراجع رسائلي لأهلي خلال الفترة التي أعقبت المحاكمة و صدور الحكم بالسجن المؤبد أجدها مليئة بالحديث عن الحنين و الأشواق للحياة الأسرية والخشية على مصير الأطفال فكل ما يثير المخاوف لدى السجين هو تعرض أسرته للتشرد والتشتت والتفكك والضياع، لأن كثيراً من الأسر تتفكك بسبب غياب أربابها ومعيليها، وحاجة تلك الأسر للرعاية والعناية والاهتمام ولذلك كنت في رسائلي أحث دائما على التحمل والصبر ومواجهة الصعاب مهما كانت، ويجب الاهتمام بالأطفال وتربيتهم التربية الحسنة وتعويدهم على مكارم الأخلاق وضرورة تعويدهم على الدراسة وتحبيبهم للعلم، وإكسابهم لعادات الاطلاع والتعامل مع الكتب منذ صغرهم، وقد صبغت تلك الرسائل بنزوع وجداني رومنسي إذ كنت احملها بأشعار وأغاني من الشعر  في الوجد والهيام والصبر والتحمل وقول لجواد. الأيام بالسجن متشابهة تتكرر بشكل روتيني مستمر لا يكاد يختلف اليوم عن سابقه ولا يكسر هذه التكرارية غير حدث كبير على مستوى الوطن أوحدث محلي في السجن يؤثر على الانضباطية وسير العمل اليومي او طارئ لاحد المساجين او لأهله.

اللجان الثورية واثرها على وضعنا...

من العوامل التي أثرت على إيقاع الحياة اليومية العادية بالسجن تكوين اللجان الثورية بجهاز الشرطة داخل السجن، ودخولهم على خط معاملة السجناء فقد صار الكثيرون من أعضاءها يتحدثون عن إقامة السجناء السياسيين ويصفونها بأنها إقامة (فندق خمس نجوم) وهو الأمر الذي لا نستحقه حسب رأيهم، وأدى مثل هذا الكلام لان تتخذ إدارة السجن بين وقت وآخر بعض الإجراءات لتبعد عن نفسها شبهة التساهل معنا، فاخذوا بالقيام بحملات تفتيشية وإلزامنا بارتداء ملابس خاصة بالسجناء وقفل أبواب الغرف في ساعات من النهار وكل الليل وزاد من شدة هذه الإجراءات هروب (ابراهيم عميش) في إحدى الزيارات ومحاولة هروب أخرى قام بها (جابر العبيدي) بعد أن نجح في الحصول على سلاح ناري هدد به (حارسه) المرافق له لإحدى العيادات بمدينة (بنغازي)، وقد نتج عن هذه المحاولات التشدد في الزيارات، حيث صرنا نقابل زوارنا من وراء القضبان وزيادة في حملات التفتيش كما صاروا يصادرون أمتعتنا وحوائجنا والأشياء التي تأتينا من أهلنا في الزيارة، كما اكتشفوا كتابات مخبأة بخزان المياه لم يعترف بها احد رغم أن الكثيرين كانوا يعرفون صاحبها ، وقد كانت تنطوي على كتابات ضد السلطة لم ترق للقذافي الذي كان يشعر بالعظمة والمجد لدرجة أن ليبيا على اتساعها كانت صغيرة عليه فكيف لمن لايراه الا كحشرة صغيرة تزحف على بطنها في احد أقبية سجونه، يتجاسر على النيل منه ومن نظامه البديع، الذي لم يوجد في الدنيا مثيل له، فأوعز بتسليم ملف الحزبيين والمرضى للشرطة العسكرية باعتبار الشرطة المدنية قد فشلت في الإمساك به وكان لتحريض اللجان الثورية أثر كبير في ضرورة اتخاذ إجراء يضع حداً للتهاون مع هذه الحفنة من الخونة والمرضي الحزبيين، وبناء عليه استيقظنا صباح احد الأيام لنجد الشرطة العسكرية أمام باب القسم، لقد كانت لدينا فكرة سابقة عن نوعية معاملتهم للمساجين عندهم، عن طريق ما كنا نسمع عما يتعرض له الإخوة المساجين في سجن الحصان من تنكيل وسوء معاملة على أيديهم، وكذلك ما كان يخبرنا به الأستاذ (عبد المولى دغمان) الذي جرب السجن العسكري في (طرابلس) وكان يردد باستمرار (ردوا بالكم، من الشريطة) بأسلوب التحبيب للشرطة المدنية ويردف (لو اتشوفوا الشرطة العسكرية) وكان ذلك في إطار دعوته المستمرة للبعض بضرورة المرونة في التعامل مع الشرطة المدنية في السجن. حين استلمتنا الشرطة العسكرية وزعت علينا بدل شغل عسكرية وقبعات وأحذية رياضية، جمعنا بالساحة وخطب فينا آمرهم وطالبنا بضرورة التقيد بالتعليمات والأوامر واللوائح وابلغنا بأن معاملتنا لن تتغير وسيستمر وضعنا على ما هو عليه. وبمرور عدة أيام بدأنا التعود على التعامل مع الحراس الجدد، فقد كانوا لا يختلفون عن نظرائهم من الشرطة المدنية، وأخذت التوجهات العامة تشير إلى بداية نشوء علاقة طيبة وتفاهم اخوي خاصة بعد اكتشاف أن من بينهم من يتصل بواحد أو أكثر منا بعلاقة قرابة أو معرفة، فجلهم من المناطق الشرقية فلم يتبدل من تلك العملية سوى اللاعبين وظلت الأمور على حالها، وطبعا هذا ليس هو المقصود تحت تأثير ظهور أصوات المعارضة الليبية في الخارج، ذلك اللاعب الجديد الذي صار يشكل إزعاجا دائما للقذافي لم يكن متعودا عليه، كان يتحدث عن المطالب الشعبية في قيام نظام دستوري برلماني تعددي يكون فيه الناس أحرارا متساوين أمام القانون، وضرورة إنهاء النظام القمعي المستبد في ليبيا، مع التحريض المستمر من قبل أدعياء الثورية باللجان الثورية الذين لم يتركوا مناسبة إلا ودعوا فيها لضرورة إظهار العين الحمراء للمرضى والحزبيين أعداء الثورة والرجعيين الذين ينزلون بفندق الكويفية على حد قول احدهم. رغم أنهم استلموا من قبل الشرطة العسكرية إلا انه لم يتغير عليهم شيء، يبدو أن الشرطة العسكرية في الشرق هي كذلك لا تصلح لمهمة الإشراف وتدبير أمر هؤلاء المرضى إذ انه لا بد من نقلهم إلى حيث يجدون المعاملة التي يستحقونها بالحصان الذي صار اسود ليبدأ فصل جديد يعتبر من أكثر الفصول مأساوية. ولكن قبل الخوض في تفاصيل هذا الفصل لا مانع  عندي من الحديث عن ثلاثة أشخاص من أهم الشخصيات التي التقيتها في هذه المرحلة بسجن الكويفية  وسعدت كثيرا برفقتهم ومشاركتهم لي حياة السجن خلال هذه الفترة وهم على التوالي (احمد يوسف بورحيل) و(عبد المولى دغمان)  و(عبدالله اشنابو).

الأستاذ احمد بورحيل:

إن لم تخني الذاكرة هو من مواليد الجبل الأخضر عام 1931م ابن المرحوم (يوسف بوخديدة المسماري) المجاهد المعروف رفيق شيخ الشهداء (عمر المختار) ونائبه استلم مهمة القيادة بعد استشهاد المرحوم (عمر المختار) واستشهد بجهات (البردي) بعد ذلك بستة أشهر وباستشهاده انتهت حركة المقاومة في برقة عام 1932م عاش (احمد بورحيل) في كنف أخيه الأكبر ورعايته، تلقى تعليمه المبكر في مدرسة (جردس العبيد) ثم نقل إلى مدرسة (الابيار الداخلية) إلى أن حصل على الابتدائية ثم حصل على شهادة التوجيهية من مدرسة (الأمير ببنغازي) ليبعث في بعثة دراسية إلى مصر لدراسة الحقوق في جامعة (القاهرة)، عام 1956م حين حصل العدوان الثلاثي على مصر تطوع في صفوف المقاومة الشعبية في منطقة (الإسماعيلية) وقاتل المعتدين ونال نوطا من الرئيس عبد الناصر، غير انه تم طرده من (مصر) عام 1957م بسبب تقرير مخابراتي يتهمه بالشيوعية، ليعود إلى ليبيا قاطعاً دراسته الجامعية، وبمساع حميدة من السيد (عبد الله عابد السنوسي) وبتدخل من وزارة التعليم الليبية آنذاك لدى الحكومة المصرية، سمح له ولرفيقه - بالطرد - المهندس (حسن الشاعري) بأن يعودا لمصر ويكملا دراستهما فحصل على ليسانس في الحقوق أواخر عقد الخمسينات، عاد لبلاده أوائل الستينات ليبدأ مشوار حياته الحافل بالنشاط والفعالية كشاب مثقف في بلد نام، كان رحمه الله رجلا ليبرالياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إصلاحي النزعة، علماني متدين، دائم الدفاع عن عدم تعارض الدين الإسلامي مع العلمانية المؤمنة، وقد كان دائم التنازع مع المرحوم (عبد الله المسلاتي) الذي كان يعتبره اشد خطرا من الشيوعية الملحدة على حد قوله، ادخل المرحوم (احمد بورحيل) السجن بسبب كتابته لمنشور سياسي ضد الانقلاب عام 1970م مع صديقه المرحوم (عبد المولي  دغمان) وصفوا فيه ضباط الانقلاب بأنهم (ضباط أغرار) لا تجربة لهم، وتحدثا فيه عما وصفوها بمطالب الشعب الليبي في الديمقراطية والدستور والحريات العامة وقد حوكموا من ضمن ما أطلق عليه قضية (سبها) عام 1970م، وحكم عليه مع رفيقه (عبد المولى دغمان) بالسجن عشر سنوات أمضى جزءاً منها في سجن الحصان بطرابلس وسجن أبوستة وحين مرض أنزل بمستشفى (شحات) للأمراض الصدرية، ثم نقل منه لسجن الكويفية حيث أمضى بقية محكوميته . تعرفت إليه عام 1964م، حين التقيته بمنطقة (البياضة) بالجبل الأخضر وكان إذ ذاك قد رشح عن قبيلة (المسامير) للانتخابات البرلمانية كان رحمه الله حينها شاباً في أوائل الثلاثينات من عمره يتحلق حوله أبناء قبيلته ويحظى عندهم بالاحترام والتقدير رغم فارق السن بينه وبين الشيوخ منهم، لقد كان لافتا للاهتمام يتحدث بهدوء وتمهل، لقائي به كان لقاء عاماً فقد كنت برفقة احد الشبان (المسامير) واسمه (ابراهيم اسماعيل) وكان من المتحمسين له، لم تتح لي فرصة محادثته والتكلم إليه، إنما حظيت بالاستماع إليه مع مؤيديه، تناولت طعام الغداء مع مرافقي (المسماري) في ذلك المجمع الذي أقيم (للمسامير) (بالبياضة) وعدنا أدراجنا إلى (شحات) لقد كان مرافقي مبهورا (بأحمد أبورحيل) يتكلم عنه بإعجاب باعتباره متخرجا من (مصر) وابنا للمجاهد (يوسف بورحيل)، لم يوفق في دخول البرلمان ولم اسمع عنه شيئا إلى أن قام الانقلاب، التقيته بعد قيام الانقلاب بمدة قصيرة عند احد الأصدقاء وذكرته بلقائي به في انتخابات 1964م ودار بيننا نقاش عن الانقلاب ومبرراته والأهداف المرجوة منه وكنت لا أزال متحمسا له، كما كنت اعتقد انه يرحب به، غير أنني فوجئت بمعارضته للانقلاب وانتقاده لمن أيدوه، حتى دون أن يعرفوا عنه شيئا ووصف موقفهم بانه غير مدروس، لقد اخبرني فيما بعد أن (موسى احمد) وكان على معرفة به، استدعاه في (بنغازي) وابلغه بنيتهم  تكليفه بوزارة العدل، غير انه رفض ذلك رفضاً قاطعاً، وحين شاهد (فتحي الديب) بالمبنى الذي اجتمع فيه (بموسى احمد) واعتقد أنه ببلدية (بنغازي)، حذر (موسى) منه ومن استشاراته الخبيثه، اذ كان يعرفه أثناء دراسته  (بمصر) ويعرف أدواره الاستخباراتية ضد الوطنيين في (مصر)، وحين أخبرت (موسى احمد) حين التقيته لاحقاً بفحوى هذه الرواية صدقها، وأضاف انه هو الذي اقترحه لوزارة العدل، وان نصيحته بخصوص (الذيب) كانت وراء حذر (موسى احمد) وتوجسه من ذلك الشخص،   وهو  ما أضاف (لموسى احمد) الكثير من المتاعب زيادة على ما كان لديه مع جماعة(القذافي). نشأت بيني وبين المرحوم (احمد بورحيل) علاقة خاصة في السجن طيلة بقائه معنا كنت احترمه واقدره لطبعه الهادئ ووقاره ودماثة خلقه، وكان موضع احترام الجميع وتقديرهم كذلك، ولا يرفعون الكلفة أمامه ولا يظهرون تبسطهم بحضوره، فرض علينا الحياء منه وعدم الحديث بأي كلمة نابية امامه كما يحدث حين نكون لوحدنا، حدث في احد الأيام وكنا نشاهد مشهدا تلفزيونيا يقبل فيه بطل المسلسل البطلة بحضور (احمد بورحيل) فطلب المرحوم (عبد العاطي خنفر) من احدهم أن يدير المحطة، وحين سئل عن السبب أجاب: (بأن الرجل يشرب في الولية) ! فما كان من بورحيل إلا أن غادر الحجرة ليتسنى لنا  مشاهدة حرة، وفي احد الأيام كان يقوم بتسجيل أغنية اشتهرت وقتها عن طريق التلفزيون الليبي تقول كلماتها (واجب علينا نصبروا يا عيني) تؤديها مجموعة تلميذات إحدى مدارس (البيضاء) وكان المرحوم (أبورحيل) معجبا بتلك الأغنية لدرجة انه أراد تسجيلها، طبعا كان قد فتح جهاز التسجيل وبدأ تشغيله واخذ يردد مع التلميذات مقاطع تلك الأغنية إلى نهايتها وحين أراد سماع نتيجة تسجيله وجد انه يستمع لصوته بخلفية تلك الأغنية، وكانت من أجمل وأرق المواقف لأدائه المنفعل والمتأثر بجمال تلك الأغنية الرقيقة، وصرنا نضحك كلما تذكرنا ذلك الموقف الطريف. كنا نمضي الساعات الطويلة معاً (أنا وهو) نتمشى سوياً بالساحة نتبادل الحكايات والقصص كما نحلل الأخبار ونتناقش في كل الأمور والمسائل التي تتعلق بوضعنا في السجن وبوضع بلادنا، وكنا نلخص لبعضنا ما كنا قد قرأناه من كتب، وكان رحمه الله معجبا بالشعر الشعبي يتذوقه ويحفظه بيسر وسهولة، ومن القصص المحزنة عنه أنه قدم إليه أخوه الأكبر لزيارته مساء احد الأيام الرمضانية، وبعد الزيارة خرج قاطعاً الطريق الرئيسي أمام سجن الكويفية فصدمته سيارة مسرعة وألقته ميتاً على  الأرض وتركه سائقها مرمياً  وفر، دون أن يعرف عنه شيئ، نقل المرحوم إلى المستشفى وبقي في الثلاجة دون أن يتعرف إليه احد عدة أيام، إلى أن ابلغ ذووه عن غيابه، لقد كان مصيبة كبيرة أصيب بها المرحوم (احمد أبو رحيل)  ولكنه أبدى صبرا وتجلدا عز مثيله، أذن له بحضور مأتم أخيه وحين عاد استقبلناه وواسيناه وحاولنا التخفيف من أحزانه، وأقمنا له عزاء في فقد أخيه مشاركة منا له في مصابه الجلل. وفي احد الأيام قص علي قصة حلم رآه في منامه يخصني، من الطريف  ومن الجدير ذكره انه كان يتفاءل بالأحلام ويحاول تفسيرها لصالح صاحبها فقد قال لي: "رأيت فيما يرى النائم انك راكب حصاناً داخل السجن ركوب الفارس بكامل هيئته، سرج الحصان مطرز بالفضة جميل، وكان باب السجن مفتوحا، وأنت تتجه للخروج منه، وقد كان باب السجن ينزل من الأعلى إلى الأسفل، وأضاف كنت استحثك على الإسراع لئلا ينزل الباب ويحجزك بالداخل وحين قاربت من الخروج نزل الباب بحيث لا يسمح بخروجك وأنت تمتطي الحصان، فطلبت منك النزول ولكنك أبيت، فقفل الباب دونك واحتجزت بالداخل"، قلت له : "التفسير واضح ستخرج من السجن وسأبقى إلى أن انزل من على صهوة حصاني ". رحمه الله بعد مدة  أفرج عنه مع الأستاذ (عبد المولى دغمان) وحين حضرت أسرتي لزيارتي طلبت منهم زيارته عند أهله لتهنئته وتهنئة أسرته بالإفراج عنه وولما تم الإفراج عني قدم لبيتي مرتين ليراني، ولكن للأسف لم يسعدني الحظ بلقائه، إذ سرعان ما أصابه المرض ولم يمهله طويلا حيث رحل للقاء ربه دون أن أراه أبداً رحمه الله.

الأستاذ عبد المولى دغمان:

متخصص في الانثروبولوجيا كان يشغل منصب مدير الجامعة الليبية قبل الانقلاب، كصاحبه (أبو رحيل) ذو اتجاه ليبرالي يؤمن بالديمقراطية والتعددية والتداول السلمي على السلطة وبالحريات العامة، شخصية مرحة وواقعية، تعامله في أوساط الشباب جعله لا يجد صعوبة في التأقلم مع جونا الشبابي آنذاك رغم الفارق في السن، كان دائم الحرص على إلا تكون له أية ميزة عنا ولذلك كان يشاركنا في القيام بالواجبات والأعمال التي تتطلبها الحياة بالقسم وكان حريصا على أن تكون علاقتنا مع أفراد الشرطة بالسجن علاقة ودية، لاختلاف معاملتهم عن معاملة الشرطة العسكرية، وكان يقول دائما (أن شاء الله ما تشوفوهم) فقد كانت له تجربة مريرة معهم وبناء عليه كان يردد (ردوا بالكم من الشريطة) كما أسلفت الإشارة، حين تراه لم تكن تصدق لتواضعه انه صاحب انجاز تشييد ذلك الصرح الكبير المتمثل في الجامعة الليبية ببنغازي، وهو نفسه ذلك الإنسان الكبير الذي كنا نراه أيام دراستنا الجامعية بالستينات وهو يقود الجامعة الليبية بما كانت تشمله من طلاب وأساتذة وموظفين بكفاءة وقدرة كبيرتين، بعقيلة متفتحة على الحياة حيث كان يقول: "يكفي جامعتنا شرفا أنها كانت تستوعب بين جنباتها كل العقليات العربية المضطهدة في بلدانها".

الأخ عبد الله شنابو:

وهو ضابط شرطة تخرج من كلية الشرطة عام 1969م وقبل أن يستلم مهام عمله كشرطي قام الانقلاب، وأيده كغالبية ابناء جيله، ولا زلت اذكر كيف أن المذيع الذي قرأ برقية كان (عبد الله) بعثها للإذاعة لتأييد الانقلاب في يومه الأول أو الثاني قد أخطا قراءة الاسم فبدلا من شنابو قرأ المذيع اسم (شتابو) وقد أخذت بمناداته بذلك الاسم على سبيل المزاح طيلة السنوات التي تلت. عين بإدارة الشرطة ضابطا بقسم البحث الجنائي وكان ضابطا كفؤا سرعان ما لفت الأنظار إليه وحاز على تقدير رؤسائه، فعين مديرا لمكتب وزير الداخلية غير انه وبمرور الزمن اخذ يضيق بسياساتهم  الاستبدادية المتمثلة في كبت الحريات واعتقال الناس وفرض نظامهم التسلطي على البلاد، وحرمانها  من الاستفادة من كل مواردها البشرية والمادية وكان لا يخفى تذمره وضيقه رغم الموقع الرفيع الذي كان يشغله في الأمن الأمر الذي لفت إليه أنظار مخابرات القذافي وكانت له علاقات مع بعض الضباط المتذمرين، تم رصدها فاعتقل مع من اعتقل من الضباط زمن ماسمي بمحاولة (عمر المحيشي) عام 1975م، وحوكم مع مجموعة من الناس المدنيين وحكم عليه بالسجن خمس سنوات كان من المفترض أن يفرج عنه بحلول 1980م غير انه لم يفرج عنه إلا عام 1988م أي بعد ثماني سنوات إضافية من انتهاء محكوميته، ممن حوكم معه (مصطفى احمد) شقيق (موسى احمد) و(صالح لوجلي) و(علي بوراوي) من (قمينس) و)(عبد الله التاجوري)، كان طيلة بقائه معنا نعم الرفيق ونعم الأنيس، دائم الابتسام متفائل لدرجة تثير الزعل فقد حدث أن اثار زعلي في احد الايام  بمرحه ولعبه واستهانته بالظرف الذي كنا فيه فقلت له: (بودي لو أراك زعلان يا أخي ولو لمرة واحدة)كان ذلك بقسم المحقرة بسجن الحصان عام 1980م، كان دائما يردد القول (دوس على كل الصعب أو سير) ويسير، كان طيب القلب كريما لا يبخل عليك بما عنده، في الكويفية كان معي ومعنا الأخ (فرج الصالح) لم نفترق طيلة ثلاث سنوات بغرفة واحدة، كان يوقظنا أخر الليل ليقول لنا استيقظوا لماذا النوم؟ (تحت التراب نوم طويل) ويكون قد اعد القهوه أو الشاي ويطلب من (فرج) وكان يجيد الطبخ أن يعد لنا مكرونة باللحم وكان اللحم متوفرا باستمرار في حجرتنا يوصي (عبد الله) من يحضره لنا اذا نقص وكان أخوه (سعد) رحمه الله في اغلب الأحيان حاضرا لتلبية مطالب أخيه، كان يدخن سجائر (الروثمان) وكنت قد تركت التدخين منذ زمن وكان يحاول إغرائي بالعودة اليه ويحاول الإيقاع بي ليجد من يشاركه متعة السيجار، على حد قوله غير أن محاولاته لم تجد معي نفعا وعوضا عن العودة للتدخين صرت أشم رائحة تبغه الزكية، وبمرور الزمن تعودت على الشم فكان يوقظني ويقول " استيقظ شم يا أخي أو يا خالي " كيفما شاء، وكان دائم الاشتياق لزوجته وأبنائه الصغار،  وكان يقول اذا اقسم (وحق من كتب علي وعليهم) وكان يحفظ ويتمثل بالشعر الشعبي ويناجي زوجته وأبناءه به، كما ساهم مع الأخ (عبد العاطي خنفر) في معارضة لقصيدة قالها الشاعر (احمد النويري)  ردا على ملحمة (تشي فاتشي يا دراقا) المشهورة وتعتبر معارضة (شنابو وخنفر) من أجمل ما سمعت من مساهمات في تلك الملحمة، وقد قاما بتهريبها خارج السجن، والجدير ذكره انه مع صديقه (خنفر) قد هربا في تلك الفترة اشعاراً  كثيرة قالاها في السجن واوصلاها لعدد من الشعراء خارجه، وادعو الله ان لا تكون قد ضاعت، دائما أقول اذا جاء الحديث عن (عبد الله شنابو) (هناك أناس اذا ما رافقتهم تحس انك عبء عليهم كما ان هناك من تحس أنهم عبء عليك) و(عبد الله) من النوع الأول انه دائما يحمل همك ويخفف عنك ويواسيك في كربك وضيقك دون أن يثقل عليك بهمومه، سلام عليه، ما ارقه وأعذبه كنسيم عليل في ليل صيف قائظ، دائما يردد (هناك ناس ما هم ناس وهناك ناس كيف الناس وهناك ناس دنواهم ونس) بعد الإفراج عنه عام 1988م ضمن برنامج أصبح الصبح مرض وأجريت له جراحة كبيرة استمرت لساعات طويلة، حيث رُكِّب له شريان كبير تعافى على أثرها زمنا غير انه عاد للمرض وعانى منه كثيرا حيث رحل للرفيق الأعلى رحمه الله.

استشراس النظام في الداخل والخارج (رحلة الأوتوبيس الى طرابلس)...

ليلة 28/6/1980م اوقظنا منتصف الليل وطلب إلينا ارتداء ملابسنا وأن نتأهب للرحيل بسرعة، لبسنا وخرجنا للساحة تحت إلحاح الشرطة العسكرية بترك كل شيء في مكانه، طلبوا إلينا أن نخرج بأنفسنا فقط، كانوا متوترين يصرخون بصوت عال أن نخرج وبسرعة، كانوا ينادون المتأخرين منا بصوت حازم فيه تهديد إيقاعه مختلف عن أصواتهم في حالاتهم العادية حين اكتمل عددنا أمرونا بالتحرك إلى الخارج كنا نسير صفا واحدا، لا ندري عن الأمر شيئا، السجن تحول إلى ثكنة عسكرية من أفراد الشرطة العسكرية، كان جماعة الشرطة المدنية منزوين في ناحية قرب الباب الخارجي، وجوه غير مألوفة بالنسبة لنا تمسك ببنادق (كلاشينكوف) مزودة بمخزن احتياطي تعلو تلك الوجوه الصرامة والجدية والتحفز لإطلاق النار، كل واحد منهم يطلب منا الهرولة والتزام الصمت، بلهجة أهل الغرب إلى أن وصلنا حافلة كبيرة كانت تقف أمام الباب الخارجي للسجن، أوثقونا كل اثنين (بكليبشة)، واركبونا في تلك الحافلة، كان كبير ذلك الفريق ضابطاً، دون أن يكلف نفسه عناء وضع رتبته على كتفه، يمسك برشاشة اسمر اللون طويل القامة ذا بنية قوية، ظننت لأول وهلة انه من الجنوب الأسمر غير إني غيرت حين سمعت من يقول ان اسمه (المبروك القويري) هناك من يعرفه من المساجين معنا، ولا اعرف لماذا خطر ببالي الكاتب والأديب (عبد الله القويري)، وهل هذا من نفس العائلة؟ أو هو تصادف في الأسماء؟ وخطرت ببالي مصراتة وأهلها الطيبين وهل لهذه العجرفة والصرامة الخالية من أية إنسانية أو شفقة علاقة بهم ولم ينقطع حبل تفكيري إلا على صوته متوعدا احد الزملاء حاول الحديث مع شريكه في القيد،   (اسكت.....الساع انطرطش راسك)  يبدو انه مخول بحمل رسالة لنا من قبل من كلفه بأنه يحق له حتى تصفيتنا جسديا، المهم انه نجح في إدخال الفزع إلى قلوبنا وجعلنا نفكر أنهم من الممكن أن يفعلوها كما أننا مكبلون ليس لدينا حماية ونحن مستباحون في نظرهم، يستطيعون أن يفعلوا بنا ما يشاؤون، وهل يصعب عليهم اختلاق أي مبرر لأي تصرف أحمق يفعلونه بنا،  ثم من يحاسبهم وقد استباحوا الزرع والضرع وملكوا البشر والحجر، هذه الهواجس كانت تلح على تفكيري طيلة مشوار الحافلة خاصة أن النظام في ذلك الوقت قد تعود على إسالة الدماء والدخول في مغامرات دموية، التصفيات الجسدية أصبحت شعاراً يومياً عادياً ومألوفا بالنسبة لوطننا، لا ندري إلى أين نركب الحافلة وماذا يراد بنا،  بعد أن انتهت عمليات التأكد من ربط الأصفاد والجلوس على المقاعد أعطاهم كبيرهم الأمر بالانطلاق، كنا بتلك الحافلة جميع المساجين على ذمة القضايا السياسية بالكويفية وبالتحديد قضيتنا التنظيم (اليساري) كما كنا نصنف، وجماعة حزب التحرير (ببنغازي) وجماعة الطلبة أحداث 1976م و(عبد الله شنابو) و(صالح لوجلي). كان الوقت فجراً، حين انطلقت الحافلة متجهة صوب الغرب، شقت مدينة (بنغازي) من وسطها، تصورت إني أراها لأخر مرة أضواؤها خافتة، يخفف من سطوعها ضباب الفجر أيام الصيف على سواحل البحر،  بيوتها كئيبة عليها مسحة من حزن والم، الناس نيام، ماذا حل بهذه المدينة الرائعة ذات التاريخ المجيد أن تسمح لهذه العصابة المقيتة باختطاف هذه المجموعة الرائعة من أبنائها، وتحملهم إلى المجهول هذه المجموعة، صرنا نعرفها فيما بعد  باسم (بتوع الأتوبيس) على غرار أتوبيس (عادل أمام) المفترض،   ووسط الصرامة والحزم والتهديد والزجر والأمر بالتزام الصمت والتلويح بالأسلحة المشهرة نحونا أخذت تلك الحافلة تنهب الأرض في اتجاه الغرب، أوقفتها إحدى البوابات غرب (بنغازي) عندما وصلنا إلى البوابة طلب من الحافلة التوقف وحدث نقاش مع قائد المجموعة طلب منه تخويل المخابرات، وعليه اضطروا للعودة بنا مسافة على الأقل 50 كلم، لاحضار ذلك التخويل، بعد ذلك سمح باستئناف الرحلة من جديد  بعد استكمال الاجراء ومن ثم  مواصلة المسير، تبين من تلك الوقفة أن الحافلة  لم تكن وحدها وإنما كانت قافلة من عدة سيارات أمامها وخلفها، الرحلة كبيرة ويبدو أنهم قد اعدوا لكل شيء عدته، فالحرص واجب عندهم، ولم يتركوا شيئا للصدف، حين ألح عليهم البعض بعد مشوار طويل التوقف لقضاء الحاجة، توقفوا في مكان عار، وطلبوا نزول من يريد قضاء الحاجة، ولكون كل واحد منا مربوطا بزميله  والجنود يحيطون به من كل ناحية، إضافة لحالة الرعب التي وضعنا بها لم يتمكن أي من النازلين من قضاء حاجته، كنا خلال كل الرحلات السابقة إلى (طرابلس) نحمل أملا بأننا سنعود قريباً رغم كل الظروف والملابسات وفي بعض الأحيان كان يحدونا الأمل بأننا يمكن أن نعود أحرارا، لكننا في هذه المرة وطيلة الوقت كانت تدور براسي أفكار ووساوس سوداوية أننا نسير في طريق مجهول لا نعرف إلى أين يسير وأين ينتهي بنا ماذا يخطط لنا، المشكلة أننا نعيش حالة غموض وعدم حصانة ضد أي فعل من قبل هذه العصابة المتوترة، ليس لنا أية ضمانة أو حماية من قانون أو أخلاق أننا مستباحون في وطن مستباح بكامله مصيرنا معلق بأهواء وأمزجة وأغراض وحسابات شخصية ومصلحية ضيقة لم نكن نحس أننا نعيش بوطن، المواطنون فيه سادة أحرار متساوون يحميهم القانون وشرائع حقوق الإنسان. استمرت الرحلة 12 ساعة أو تزيد كنت أفكر في مصيري ومصير هؤلاء الرجال الرائعين الذين لا يحملون بين جوانحهم سوى مشاعر وأحاسيس المحبة والإخلاص لهذا الوطن الحبيب. كنت أفكر بمصير أطفالي وأسرتي الكريمة وأطفال واسر زملائي الذين يركبون هذه الحافلة المسرعة، لا بد أن (للمبروك القويري) ومرافقيه من فرقة الحراسة أطفالا وأسرا بانتظارهم يستبطئون عودتهم، لقد فارقوهم منذ يومين فقط لا بد أنهم منشغلون عليهم الآن لا يدرون سبب تأخرهم وما دروا أن أباءهم  يبعدون أباء أطفال مثلهم عن أبنائهم ويستعملون كل مواهبهم وقدراتهم لتخويفهم وبث الفزع في قلوبهم. مررنا بكل المدن والقرى والمناطق الليبية على الطريق  الساحلي، وددت لو استطيع الصراخ بأعلى صوتي... أيها الناس أننا مخطوفون إلى المجهول فأنقذونا و لكن ما جدوى أن تستغيث بمخطوفين أمثالك أليس شعبنا كله مخطوفاً منذ أول سبتمبر 1969م. وصلنا (طرابلس) المدينة الجميلة الحالمة عاصمتنا الخالدة، وصلنا و أنا على درجة من الخذلان و الخيبة كيف لهذه البلاد التي طالما غنينا لها وتغزلنا بجمالها وحلاوتها كيف لها ولهذا الشعب الطيب النبيل أن يتكشف عن هذا الوجه البشع الذي يمثله هؤلاء الأشرار، الذين كبلونا وأفزعونا ويقبضون على ازندة البنادق وهم يصوبونها لصدورنا بشكل مستفز للمشاعر والكرامة الإنسانية كأنما يصوبونها نحو عدو أجنبي، ما الداعي لكل هذه العنجهية والعربدة والتوتر العالي والعصبية ضدنا السنا مواطنين؟ يفترض أننا أحرار متساوون نحظى بحماية القانون من تسلط المتسلطين؟ أمِن اجل هذا المصير كافح أهلونا المستعمرين والغزاة؟ أمِن اجل هذا دفعوا أرواحهم ودماءهم وأموالهم وراحتهم واستقرارهم، أمِن اجل هذا قاومنا النظام الملكي وعارضناه؟ النظام الملكي الذي لم يصل لهذا المستوى المنحط في تعامله مع شعبنا،   ألا تعسا..  لقلب المفاهيم ألا تعسا.. للنظم التي تنكل بمواطنيها أبشع مما يفعل الغزاة. كان الوقت عند المغيب حين وقفت بنا الحافلة أمام بوابة السجن كانت محروسة بعدد كبير من السيارات الصغيرة ترجل منها العديد من رجال الأمن والشرطة العسكرية، أحاطوا بنا من كل جانب واخذوا في الصراخ كعادتهم بان نسرع وأن ننزل وأن نسكت وغيرها من الأوامر،  يتفرسون في وجوهنا لاقتناص أي سبب لإنزال الويل بصاحبه. كنا نسرع في نزولنا من الحافلة ومع ذلك لم نسلم من توبيخهم وشتائمهم، دخلنا من البوابة الرئيسية للسجن بعد أن مررنا بحديقة الحصان المشؤوم وجال بخاطري (موسوليني) وهو يمتطي صهوة حصانه أيام الاحتلال، ما الفرق بين وضعنا الحالي ووضع أهلينا أيام الاحتلال؟   كيف لك أيها الحصان ألم يصبك الهرم؟ ألا زلت قادرا على حمل الطغاة، غير أن ما لفت نظري هو تغيير لون ذلك الحصان لقد لوِنوه بالاسود، ليقولوا لنا أن أيامكم اشد سوادا من أيام أهليكم أيام الاحتلال ألا بئس.. أفضت بنا بوابة السجن إلى ساحة تحيطها المباني الإدارية للسجن، الإدارة العسكرية لليمين والإدارة المدنية لليسار، وأن كانت الإدارة والشرطة المدنية في مثل هذه الظروف تختفي من الوجود، (تشَّفَّر بالكامل)  تتوسط تلك الساحة نافورة مياه دون ماء، لا بد أن مصممها ومنفذها كان يرغب في إضفاء مسحة جمالية على السجن. أوقفونا بساحة النافورة وتم التأكد من هوياتنا وعددنا وسط كيل من الشتائم والسباب المقذع والتهديد والوعيد بمستقبل مظلم ابتداء من هذه اللحظة. نادوا أولا على الأخوين (عبد الغني خنفر) و(المبروك الزول)، لكونهما محكومين بالإعدام لا بد أن وضعهما كان يوحي بأكثر مما لدينا من سوء الاحتمالات، أوقفوهما جانباً، (المبروك) يقف أمام زميله وكان يضع روب نوم على كتفيه، أمر بالهرولة سريعاً، فانطلقا  مسرعين، وخرجا من الباب المفضي إلى داخل السجن ولن أنسى روب الزول وقد رفعته الريح لسرعتهما، وغابا عن أنظارنا ولم نرهما إلا بعد ثماني سنوات تقريباً من ذلك اليوم.

قسم المحــقـــرة...

حين جاء دورنا طلب إلينا الهرولة كنا قد عرفنا الباب المراد لنا الخروج منه، قصدناه رأسا، تحيطنا ثلة من الحرس المدججين بالسلاح إلى أن أوقفونا أمام قسم في الركن الغربي من السجن سيعرف فيما بعد (بقسم المحقرة) - أي قسم التحقير-  أسميناه بالمحقرة اقتباسا من اللهجة المتداولة بين الجنود الذين يشرفون على السجن و يسيرون الأموربه. القسم عبارة عن مجموعة حجرات تفتح في ممر طويل مسقوف عرضه 2 م وليس به نوافذ، ولذلك كان دائما معتما عديم الهواء، به باب خارجي يفضي للممر المعتم ولذلك كان مقفلا وبشكل مستمر، عندما أوقفنا الحراس أمام الباب الخارجي وكان يعلو سطح القسم عدد من الجنود يصوبون أسلحتهم نحونا ويتصايحون بأعلى أصواتهم: " جيتونا نهاركم احرف، انظر قُدامك يا حمار يا تحفة "، وفي كل مرة يشيرون نحو واحد منا يوزعون سبابهم وشتائمهم بدون حساب، كنا نتساءل من هو سيء الحظ المقصود بكل هذه الشتائم؟ كان المرحوم (عبد العاطي خنفر) يقف ورائي مباشرة واختلست فرصة لأساله عن المقصود فأجابني ببديهته الحاضره وبسرعة " أنت.. أنت المقصود اسكت.. صمه.. صم فمك " فالتزمت الصمت ولم انبس ببنت شفه لأنني فهمت أنهم يبحثون عن صيد. وقفنا أمام القسم  مدة كأنها دهر كانوا يدخلون المساجين على دفعات كل دفعة يضعونها في غرفة، أدخلنا الحجرات وأقفلت دوننا الأبواب، كانت الغرفة مظلمة سيئة التهوية، كانوا قد سدوا النوافذ القديمة التي بنيت زمن الطليان ولم يتركوا فيها سوى شريط صغير بمقاس طوبة بناء واحدة، ولذلك سرعان ما بدأنا نحس بضيق في التنفس خاصة وأن الوقت كان صيفا، الحرارة مرتفعة والرطوبة عالية وحين بدا المدخنون في التدخين، اذ بكل غرفة ما لا يقل عن عشرة مساجين من المدخنين أو يزيد، بدا وكأن غيمة سوداء تتجمع في سماء الغرفة، كنت أتوقع أن يهطل منها المطر بين فينة وأخرى، هذا علاوة على أن دورة المياه موجودة داخل الغرفة وكانوا يتأخرون بشكل مقصود في اخذ القمامة، كانوا يتركونها حتى تتعفن ويخرج منها الدود طوابير طوابير، في اتجاه افرشتنا، روائح الغرف لا تطاق وحين تفتق ذهن الأذكياء منا عن حل بتفتيت اللحم والفضلات الغذائية الزائدة وطرحها بدورة المياه، اتضح انه حل اسوأ من المشكلة نفسها، فقد تخمرت تلك المواد وتحللت وانتشرت عفونتها لدرجة أزكمت أنوف الجميع، صرنا نحيا مع العفونة والقذارة والصراصير والجرذان جنبا إلى جنب حتى أن (رمضان المقصبي)  اضطر في إحدى الليالي حين ضايقته الصراصير أن يقضم إحداها تعبيرا عن شدة غضبه، كان بكل غرفة عدد من الافرشة القديمة المتسخة خص كل واحد منا بفراش،   كما سلمونا بِدلا قطنية بيضاء مما يلبس عادة كملابس داخلية بعد أن استلموا منا الملابس التي سلمتها لنا الشرطة العسكرية في (بنغازي) وصرنا لا نلبس غير هذه الملابس التي سرعان ما اتسخت واسود لونها لوساخة الجو المليء بالدخان والفرش القديمة والتي كنا نستلقي فوقها باستمرار، صارت ملابسنا سودا قذرة مما يثير في النفس المزيد من الإحباط والخذلان، كنا نتعرض لعملية متواصلة وممنهجة من كسر الخواطر وتثبيط المعنويات والتحقير وفقدان الكرامة الإنسانية حتى لا نعاود التفكير بأننا بشر أسوياء وحتى نحس دائما بأننا مجرد حشرات صراصير أو دجاج منتوف الريش، كانوا وبشكل دائم يحاولون تصدير هذه الأحاسيس إلينا ومع ذلك كان منا من يضحك هزءا من جلاديه، بقينا بذلك القسم مدة ستة أشهر كأنها ستة أعوام عانينا خلالها الأهوال من الضرب والتعذيب بسبب وبدون سبب، مع الشتائم والسباب بشكل مستمر، كان الباب الخارجي مقفلا باستمرار فإذا ما فتح كنا نعرف بان وجبة من القهر والتعذيب تنتظر حجرة أو أكثر أو حتى القسم كله، يدخل احد الجنود ويطل من كوة في الجدار ونحن في وضع الجلوس على الفرش ويبدأ مناوشاته معنا كأن يقول: من الذي كان يحكي؟ أو ماذا يقول؟ أو من الذي كان يضحك؟ وايش ايضحك فيك؟ كنك اتبحلق؟ فإذا ما دفعت احدنا حماقة أو شجاعة أو سمها ما شئت، ليقول ردا عليه: من تقصد، أو ليس هناك من يتكلم، أو ليس هناك من ضاحك، فنهار أبيه أحرف، يكون هو المقصود بالسؤال، وبالتالي يتم إخراجه للساحة، ليجد البقية في انتظاره، فيضرب حتى تخور قواه ويعاد لغرفته خرقة هامدة واذا لم يُجب الجندي على مناوشاته فيتم إخراج الجميع إلى الساحة ليذوقوا معا طعم العذاب. كانوا يبحثون عن أي سبب لإنزال التعذيب بنا، حتى أن احدهم قال ليبرر ما ينوي بنا: "انتم تسبوني في سركم" وقام بتعذيبنا جميعا وفي مرة أخرى قال أخر انتــم "تندلعوا في النيران" يقصد - توقدون النار - ولات هناك نار، وقد أطلقنا عليه اسم (تندلعوا)، وفي إحدى المرات جاءنا من يطلب إلينا إخراج ما لدينا من عملات صعبة، وهددنا بأنه سينزل بنا سوء العذاب اذا لم نفعل ما يطلبه منا، وحين طلبنا منه أن يبين لنا أية عملات يقصد أجاب انه يريد الدولارات والفرنك والدينارات وغيرها وظهر انه كان يعرف العملات الصعبة بالنسبة لنا حتى الليبية منها. السؤال هو كيف تصور أن لدينا أية عملات وقد دخلنا لقسم المحقرة شبه عراة، ولم يتصل بنا أي مخلوق من الإنس والجن، الغريب انه قام بتفتيش افرشتنا وحاجياتنا الشخصية آملا أن يجد لدينا ما توهم انه موجود عندنا، وحين فشل في مسعاه كال لنا شتائمه ورحل، أنني اعتبر ذلك الصيف القائظ من أسوإ فترات سجننا، حر ورطوبة وعفونة وسوء تهوية مع المهانة والإذلال المستمر وكسر الخواطر والإحساس المتواصل بالإحباط والخذلان وخيبة الأمل مع الانقطاع التام عن العالم، لم نر في تلك الفترة ضوء الشمس ولا نور القمر ولم نسمع أي خبر سواء من ناحية الأهل أو من الأخبار العامة، قطعت عنا الزيارة ووضع في يقيننا أن هذا الوضع سيستمر طيلة سجننا، كان يقال لنا ستكملون أعماركم هنا وعلى هذه الشاكلة هذا اذا لم نعدموكم. وليوهمونا بان لتصرفهم معنا ما يبرره بداو التحقيق معنا حول الكتابات التي وجودها بخزان المياه بالكويفية، عن مضمونها ورائ  كل واحد فيها، كما اجري لنا اختبار خطوط لمعرفة كاتبها، ورغم أننا كنا نعرف من كتب تلك الأوراق كما نوهت سابقاً، إلا أن أيا منا لم يشر لذلك بشيء، الجدير بالذكر أن القذافي تناول موضوع تلك الكتابات باستهزاء وحقر من شانها وشان كاتبها وسخر مما تضمنته من آراء على طريقته في التقليل من شان معارضيه وأعطى لنفسه الحق في اتخاذ أي إجراء ضدهم ووصفهم بالمرضى والمارقين وبالفعل مورس ضدنا كل ما يؤذي الإنسان والنفس البشرية من ممارسات وتصرفات شائنة سوء تغذية وسوء تهوية وانعدام العناية الصحية والقهر اليومي من ضرب وتعذيب ونهش كلاب وحط للكرامة الإنسانية بالسباب والشتائم والتيئيس من الحياة، وحسب اعتقادي لوأن الظروف في ليبيا كانت تسمح كما سمحت له الظروف فيما بعد لقام النظام بتصفيتنا جسديا أو لظللنا على تلك  الوضعية بشكل مستمر.

الانتقال إلى قسم السياسيين...

الذي حدث أن أهالينا اخذوا في البحث عنا لدى جميع الجهات، وصار كلام الناس يعلو في كل التجمعات والمناسبات الاجتماعية، عن مصير المجموعة التي أخذت من سجن الكويفية واختفت عن الأنظار، كثرت الإشاعات والأقاويل التي سببت إحراجا للنظام الأمر الذي دفعه للعدول عما كان قد خطط له أو على الأقل تم تأجيله لما بعد أربع سنوات قادمة، كما سيأتي لاحقا، وبناء عليه مع بداية عام 1981م تم نقلنا إلى قسم خاص أخر بالسياسيين، حيث وجدنا به مجموعة الابشات ومجموعة حزب التحرير من (طرابلس) ومجموعة رابطة الجبل من الامازيغ ومجموعة شبان من منطقة الحرشة قرب الزاوية ومجموعة الكتاب الشباب. أنزلت بالحجرة الثالثة برفقة الإخوة (فرج الصالح) و(رمضان المقصبي) والمرحوم (احمد فنوش) و(خليفة الفسي) و(عبد المنعم)و(عبد الحليم البشتي) و(عبد الرحمن الشرع) و(إدريس الطيب) و(محمد الفقيه) و(احمد الفيتوري) والشيخ (ميلاد الخروبي) احد المتصوفة من نواحي ترهونة، بقينا بذلك القسم منذ بداية العام 1981م إلى سبتمبر عام 1984م وقد كانت سنوات عجافا قاسينا خلالها ألوان العذاب وسوء المعاملة إضافة لسوء التغذية وانعدام العناية الصحية واقتصار الزيارات على زيارة واحدة كل فصل من السنة نلاقي خلالها الاهانات وقسوة المعاملة التي تصل إلى حد الضرب أمام الزوار وتوجيه الاهانات، كما يعاني أهلونا من نفس المعاملة لأتفه الأسباب وقد تصل عجرفتهم إلى منع الزيارة عن أي سجين وحرمان أهله من رؤيته، فمثلا حدث مرة أن صادفت الأخ (محمد الصابر)وهو ضابط طيار مسجون بقضية (موسى احمد)و(الحواز) منذ عام 1969م وهو خال زوجتي ومن زملاء الدراسة كان يقيم بقسم غير قسمنا بالسجن لم أره منذ سنين حين صادفته سلمت عليه وسالت عن أخباره فما كان من الحراس المرافقين لكلينا إلا أن يحتجزوني في مكان جانبي وطردوا زوجتي القادمة لزيارتي وحرموها من الزيارة وعادوا لضربي وتعذيبي وكانت النتيجة انشغال زوجتي لماذا حرمت من الزيارة؟ وبدل الاطمئنان علي عادت إلى شحات قلقة خائبة هذا مثال فقط، فالتعذيب والاهانات وجبات يومية بالسجن العسكري أكثر من وجبات الطعام التي نقصت كثيرا في تلك الفترة، لقد كان (رغيف  هايدي) هو قوتنا اليومي رغيفان منه لكل سجين مع أن عشرة منها لا تكاد تكفيه. استعملت الكلاب لتخويفنا في الفترات التي كنا نبدي فيها شيئا من التذمر أو التوتر كما حدث ليلة وفاة المرحوم (عبد العزيز الغرابلي) أو ليلة محاولة انتحار (جمعة بوكليب) والأمر في كلا الحالتين متشابه:

ليلة وفاة عبد العزيز الغرابلي...

كان  رحمه الله يعاني من مرض شديد منذ مدة طويلة وبسبب الاهمال من قبل السجن وعدم توفر العناية الطبية في الوقت المناسب، حدث عنده نزيف حاد وصار رحمه الله يتقيأ دما فاضطررنا للمناداة على الحراس لنقله للمستشفى، ولما لم يستجيبوا لمناداتنا أخذنا نطرق الأبواب ونصرخ بأعلى صوتنا مطالبين بنقله للمستشفى واستمر ذلك الوضع لوقت طويل، ولم يحضروا لنقل الرجل إلا بعد عدة ساعات ودخوله في غيبوبة، حملوه إلى خارج القسم ثم عادوا إلينا في حملة انتقام شرسة، فرقة من الجنود مسلحين بالعصي والأسلاك الكهربائية يقودهم شخص قذافي اسمه (احرير) كنا نلقبه (بالجنرال بلقرانو) وكانت هذه الفرقة تصطحب عددا من الكلاب المدربة كانوا يفتحون الحجرات حجرة اثر حجرة، بعد أن يوسعوا ساكنيها ضرباً ولكماً، مطلقين كلابهم في أن تنهش وتمزق وتلقي الواحد من السجناء على الأرض، والجنود بعصيهم وهراواتهم وأسلاكهم المفتولة يتسابقون على إنزال الأذى به في مشهد دراماتيكي مفجع وكل ذلك لإعطاء المساجين درسا في إلا يتدخلوا في مالا يعنيهم حسب رأيهم.

ومحاولة انتحار جمعه...

وهو شاب من مجموعة الكتاب الشباب من سكان (طرابلس)، اديب ، وفنان  حساس رقيق المشاعر، كان يغني لنا بصوت جميل ويطربنا بأغانيه الطرابلسية الرائعة، وكنت أحبه لدماثة خلقه وطيب معشره، كما انه كان كاتب قصة قصيرة جيد، تمتاز قصصه بأسلوبها الجميل وشاعريتها الرقيقة كما أن له محاولات مبشره في الشعر الحديث تعتبر واعدة في ذلك الوقت. في لحظة من لحظات الاكتئاب واليأس وانغلاق الأفق أمامه كما يحس به أي مسجون في مثل هذه الظروف القاسية والصعبة، راودته فكرة التخلص من الحياة ليضع حدا نهائياً لمتاعبه، فتناول شفرة حلاقة وقطع شريانا بإحدى يديه واخذ ينزف وكما حدث ليلة وفاة (عبد العزيز الغرابلي) أخذنا نطرق على الأبواب بشكل جماعي محدثين جلبة شديدة في السجن ولم يحضروا لأخذه للمستشفى إلا بعد فترة، وكما حدث في المرة الأولى جاءت إلينا فرقة التعذيب مع كلابها وفي هذه المرة تصورت أنني استطيع إنقاذ بقية زملائي في الحجرة من العقاب طالما الجريمة هي الطرق على الباب فتطوعت بالقول أنني من كان يطرق على الباب وأن البقية لا ذنب لهم ولكنهم عوضا عن ذلك ضربوني حتى أغمي علي ووقعت أرضا وضربوا البقية دون استثناء وكان بطل هذه الحملة هو نفسه احرير (الجنرال بلقرانو) وكذلك زميله (محمد سالم) الملقب (بجون واين) وهما من أقرباء (القذافي) وأبناء عمومته كما كان معهما (عبدالقادر التاورغي) المعروف. ومع ذلك ظل للفرح والتفاؤل مطرح كما يقال فقد كنا نقتطف من ذلك الوقت الكئيب بعض السويعات نحاول ملأها بالفرح والسرور وبالنافع والمفيد لنا من اجل أن تستمر الحياة، كنا نحتفل بأعياد ميلاد زملائنا بإقامة حفلة صغيرة بإعداد  (تورته) من مسحوق الخبز الذي كنا نجففه وندقه حتى يصير دقيقا ثم نعجنه بالشاي والحليب ونطهيه في كوشة أعدها (رمضان المقصبي)من صندوق الحليب المغطى بورق(القزير) اللماع كنا نحصل عليه من علب السجائر ونستعمل (لمبات) الكهرباء للتسخين. بعد أن نعد العدة للاحتفال نتحلق حول التورته ونبدأ الاحتفال بإلقاء الكلمات المناسبة واحدا بعد الأخر كلمات مفعمة بمشاعر الحب والمودة والأمنيات الجميلة بمستقبل زاهر للمحتفل به ولأهله ولبلده، كما كانت تلقى القصائد الشعرية خاصة في غرفتنا التي يتواجد بها عدد من الشعراء الشباب والكتاب والنقاد من أمثال الشاعر المتألق (إدريس بن الطيب) و(محمد الفقيه صالح) و(احمد الفيتوري) و(عبد الرحمن الشرع) وغيرهم كما كنا في أحيان كثير نعقد ندوات حوارية لمناقشة موضوع فكري أو سياسي منطلقين من حدث هام أو نقاش بين عدد من نزلاء الغرفة أو من خارجها، وأنا مدين لتلك النقاشات والحوارات بالكثير من التغيرات التي اعتبرها ايجابية والتي طرأت على تفكيري في تلك الفترة اذ صبحت أكثر قبولا للآراء الأخرى والصبر على الخلاف وتعودت على الإدلاء برأيي وسماع الرد عليه برضى وراحة تامة وبود وهذا اعتبره إضافة جديدة ما كانت تحدث في تصوري لولا ذلك الاحتكاك الذي حصل نتيجة تواجد آراء ناضجة ومختلفة في ظروف صعبة، كما كنا نقوم بزيارة الحجرات الأخرى ونستضيف أشخاصا من تلك الحجرات، حيث يتفق أن يستبدل اثنان كل منهما في حجرة مختلفة أن يحل احدهما مكان الأخر لليلة واحدة، تقوم فيها كل حجرة بتقديم واجب الضيافة للقادم إليها، وذلك بإخفاء شخصيته عند اخذ التمام من قبل الحراس كما يقدمون الشاي والطعام ثم يعدون له برنامجا احتفاليا بتقديم كلمات الترحيب به والإشادة بشخصه ثم يقدمونه للجلوس على (كرسي الاعتراف) ويأخذون في توجيه الأسئلة عن سيرة حياته وأرائه السياسية وتوجهاته الفكرية وعن نضالاته ومواقفه الوطنية، يجيب عنها بصراحة وصدق كما هو مفترض. كما كنا نمارس الألعاب المختلفة سواء الألعاب الذهنية كالألغاز الشعرية والكلمات المتقاطعة، والألعاب الورقية اذ كنا نصنع لعبة الورقة من علب السجائر الرياضي الواسع الانتشار بين المدخنين،  كما برع البعض في حياكة الحقائب من ورق علب الحليب والملابس القديمة وقد صنع لي الأخ (عبد الرحمن الشرع) حقيبة ظللت استعملها لحفظ ملابسي مدة من الزمن وقد خرجت بها حين أفرج عني وجئت بها لأهلي وبقيت معي زمنا طويلا إلى أن استهلكت بالكامل، وكنت كلما أراها اذكر صديقي (الشرع) بوجهه السمح البشوش، وكانت لليالي رمضان نكهة جميلة رغم  ما كانت تثيره فينا من شجون وأسى، لأنها تذكرنا باللمة الأسرية والأجواء العائلية خاصة في الأوقات التي تباعدت فيها الزيارات او قطعت، حيث يزداد الشوق والحنين إلى الأهل وتذكر ما يثيره غيابنا عن أسرنا من حزن والم بين الأمهات والزوجات والأبناء وبقية العائلة. في تلك الفترة كنا نحاول مغالبة أحزاننا وآلامنا باللعب والغناء والاندماج في برامج جماعية مفيدة كان الفضل فيها لأولئك الشباب الصغار الذين امدونا بروح معنوية عالية جعلتنا نغني للحياة والأمل وللتقدم ونسمو فوق ألامنا الخاصة وكان الحراس يضيقون بغنائنا ومرحنا وينتهروننا "وفي أحيان كثيرة كانوا ينزلون بنا عقابا لا يتناسب مع جرمنا في الفرح والغناء، إلا أننا وبمرور الوقت تعودنا على عقابهم بحيث صار مألوفا ولم يعد يخيفنا، نفعل ما نريد، ويفعلون بنا ما يريدون. كانوا يخرجوننا لساحة القسم مدة أربع ساعات يوميا باستثناء الجمع والعطلات من الساعة الثامنة إلى الساعة الثانية عشر نمارس خلالها الرياضة البدنية والمشي والتلهي في الهواء الطلق وتجاذب أطراف الحديث مع الأصدقاء من نزلاء الغرف الأخرى وكثيرا ما كنا نتناول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك كأن يشركك  احدهم في قراءة شيء قراه أو كتبه، أو قصيدة ألفها أو موضوع نوقش بغرفته أو رأي عرض أمامه، الجو في عمومه كان جوا  حواريا وتبادل آراء وأفكار على مستوى القسم عامة كما كان الأمر ابعد من ذلك فقد كنا نتبادل الرسائل مع قسم مجاور لنا كان به مجموع من السجناء السياسيين وكنا نطلق على هذه الوسيلة (البريد الطائر)  كان أصدقاؤنا بالقسم المجاور يكتبون لنا وكنا نكتب لهم الرسائل ونبعث لهم بحصيلة إنتاجنا من مقالات وأبحاث وقصائد شعرية وقصص قصيرة ومسرحيات وأخبار وغير ذلك نجمع ما نريد إرساله ونكوره في لفة واحدة ونغافل الحراس فوق الأسطح ونرميه بساحة القسم المجاور ليستقبل هناك ويوزع على أصحابه ويحدث الشيء نفسه بالنسبة لنا فقد كنا نستقبل بريدهم بنفس الطريقة في أوقات محددة من أيام محددة ويعتبر البريد الطائر من أجمل الإبداعات في ذلك الوقت، فقد خلق تواصلا بين القسمين وصار يمدنا بمورد ثقافي مهم كما يحمل إلينا الأخبار  وقد كان للاخوة عبدالسلام شهاب وخالد الترجمان وبشير جربوع ولما تمتعوا به من جرأة وشجاعة الدور الأبرز في إنجاز تلك المهمة  الخطيرة، خاصة وأن سلطات السجن قد منعت عنا أي تواصل بين الاقسام المختلفة وكانت تصر علي حجب أي مصدر للثقافة والعلوم والاخبار بمنع الكتب والمجلات والجرائد وتتبع معنا سياسة مدروسة للتغييب والتجهيل. وقد أخذت هذه السياسة تزداد مع الأيام حتى وصلت أقصى مداها بنقلنا إلى سجن أبو سليم خلال الشهر التاسع عام 1984م.

الانتقال إلى سجن أبو سليم...

بعد أحداث العمارة عام 1984م واعتراف بعض المتهمين من جماعة جبهة الإنقاذ بوجود اتصالات مع المساجين السياسيين في السجن، تم عزلنا بشكل تام حيث قطعت عنا الزيارات وازداد التضييق علينا، كما جرى إعدام كلا من (آدم الحواز) و(عمر الواحدي) و(صالح النوال) و(عبد الله المسلاتي) و(حسن الكردي) بشنقهم داخل غرف السجن على يد المدعو (الزادمة)  وزمرته من اعضاء ما كان يسمى باللجنة الامنية العليا،   كما أشيع حينها،  ثم  شنق (محمد حفاف) بمبنى كلية الهندسة بطرابلس وكذلك (مصطفى النويري) بكلية القانون بنفس الجامعة، كما أعدم الكثيرون في الساحات والشوارع والميادين العامة وبساحات المدارس أمام حشود كانت تستقدم للمشاهدة والترويع في شهر رمضان الكريم، في طرابلس وبنغازي وفي غيرهما من المدن، كما ازدادت حملات النظام على المعارضين في الداخل والخارج بالزج بهم في السجون وتصفياتهم الجسدية  وملاحقتهم بالقتل أو بعقد صفقات مشبوهة مع الدول التي كانوا يتواجدون فيها إما لتسليمهم أو لطردهم، كما هددت بالحرب الدول التي لم تقبل بالمساومات، أو حاربتها فعليا كما حدث مع السودان، حيث تم قصف الخرطوم بالطائرات وتم اكتساح تشاد، وقد نالنا في السجن جزء كبير من تلك السياسات المرعبة. سجن أبو سليم، سجن حديث من انجازات القذافي بني على وجه السرعة في حي  (أبو سليم) المعروف بطرابلس أقيم داخل معسكر الشرطة العسكرية بالقرب من معمل معالجة مياه الصرف الصحي لمدينة (طرابلس)، ولذلك كانت الروائح فيه لا تطاق وعانينا منها الكثير حتى أزكمت أنوفنا، وتعودنا عليها، الأمر الذي كان يثير التساؤل هل حدث ذلك عن غير قصد وتدبير أم هو غباء وسوء تخطيط، والمحير أن المعسكر تحيط به عمارات سكنية مكتظة بالسكان ومع ذلك يواصلون حياتهم بشكل اعتيادي، فلله في خلقه شؤون، يحيط بالسجن سور خاص يفصله عن المعسكر وله باب حديد كبير يودي بالداخل منه إلى ساحة تفضي إلى عدة عنابر، يجاور كل عنبر ساحة خاصة به تستعمل لقضاء ساعات التهوية لنزلاء ذلك العنبر. بالعنبر عدد 14 غرفة متقابلة يفصل بين الغرف ممر طويل بعرض 3 أمتار تقريباً ولكل عنبر باب خارجي يتم إقفاله وإقفال الحجرات بشكل دائم في غير أوقات التهوية، وما يميز ذلك السجن ارتفاع حيطانه وخشونتها وكذلك الرائحة الكريهة بسبب مياه الصرف الصحي وسوء التهوية. تم إنزالنا بالقسم الأول عنبر الإعدام والسجن المؤبد  كما كان يسمى، ومكثنا به وفي نفس الغرفة ومع نفس الزملاء تقريبا مدة ثلاث سنوات ونصف السنة، عزلنا خلالها عن العالم الخارجي ولم نزر فيه ولو لمرة واحدة، كما استمروا في منع الكتب عنا وكذلك الصحف والمجلات كما واصلوا منعنا من التغذية الجيدة والرعاية الصحية، أما الإذلال والقهر اليومي فقد ظلت على حالها بشكلها المنهجي المنظم حتى وصل بهم الأمر الى حد سكب الطعام على الأرض أو رشه بالرمل، والطلب إلى المساجين تناوله على أساس أن كل مسجون عبارة عن كلب لا يستحق أن يعامل كبشر، خاصة أن مساجين جبهة الإنقاذ يجاوروننا في العنبر المحاذي وكما هو معروف كانوا يطلقون عليهم اسم الكلاب الضالة (فصرنا في الهوى سوى) فالا نستحق الا معاملة الكلاب، نحن مرضى وخونة وحزبيين، كما تفتقت قريحتهم عن وسيلة للتعذيب بوضع ميكروفونات عالية داخل الحجرات تبث الأغاني والأناشيد الثورية ولقد عانينا منها كثيرا، بسببها كنا لا نستطيع النوم او الحديث، وكنا نلجأ لسد أذاننا أو تغطية رؤوسنا بالوسائد، وكان غير مسموح لنا بالاحتجاج عليها، ففي إحدى المرات مثلا حين ضاق الأخ (عبد الرحمن الشرع)  ذرعا بعلو صوت ذلك الميكروفون المزعج، هب مسرعا من سريره واخذ (يخبط)  على الباب وبالمصادفة كان الحارس قرب الباب فزجره: (خيرك؟ ) فما كان من اخينا (عبد الرحمن الشرع) وقد فطن لثورته إلا أن قال: (عالي يعطيه السلامة) فرد عليه الحارس بأن يخرس ومضى في حال سبيله. وقد عانى بعض المساجين من الأمراض المزمنة والأمراض النفسية بسبب هذه الظروف السيئة التي ينعدم فيها أي أمل بالانفراج اوقرب خلاص، غير أن أهم ما ميز تلك الفترة في سجن أبو سليم هو اختلاطنا بالسجناء العسكريين من قضايا محاولات (موسى احمد) و(الحواز) ومحاولة سبها ومحاولة (المحيشي) وكذلك مجموعة الكلية العسكرية وهم مجموعة طلبة الكلية العسكرية اتهموا بالتأمر وحكم على بعضهم بالإعدام وبالسجن المؤبد، كما انزل معنا مجموعة اتهمت بتصفية (مصباح الورفلي) احد أعضاء اللجان الثورية (ببنغازي) وعلى رأس تلك المجموعة شيخ ينتمي لعائلة (قطيط موسى)  المجاهد المعروف وكان قد ساءه وقتها تنكر عائلته له وتبرؤهم منه وكان متاثراً اشد التاثر بسبب ذلك غير ان وجودنا معه ومواستنا له  خفف عنه وشد من ازره لتجاوز تلك المحنة. كما أسلفت بالعنبر المجاور لنا مجموعة من المتهمين في قضية جبهة الإنقاذ عام 1984م وبالعنبر الثالث ينزل مجموعة المحكومين بسنوات وكان معهم من أتموا أحكامهم وكذلك المحكومين بالبراءة أو الذين لم يقدموا لأي محكمة أصلا كما في مثل حالة (حسين صديق) وغيره كثيرون فقد كانت معاملتهم لا تختلف عما كنا نلاقيه من سوء العذاب. حدث أن صاح احدهم في الحراس مطالبا بالإفراج عنه لأنه بريء فقال له الجنرال (بلقرانو): ومن برأك؟ فقال: ذهبت لمحكمة وفيها قاض ومدع عام ومحامون وقد برأتني، فأجابه: إن لم تسكت فسوف نحضرهم جميعا ونضعهم معك!! وسكت صاحبنا ولم يفرج عنه إلا عام 1988م، المهم أنهم كانوا يضعون في روع السجين انه لن يغادر سجنهم مطلقا ولن يخرج منه إلا ميتا.

اللقاء بالعسكريـين السـجـناء...

كانت فرصة لنا أن التقينا بالمجموعات العسكرية، وأن نتعرف إليهم، ونتبادل الحديث معهم، وقد كونا فكرة كاملة عن قضاياهم ووجهات نظرهم عن النظام وعن الملابسات التي أحاطت بكثيرين منهم، وتصوراتهم عن المستقبل السياسي في البلاد، وقد تمحورت النقاشات والحوارات والأحاديث معهم حول نقطتين هامتين: الأولى" موقف البعض من العسكريين وتحميلهم ما لحق بالبلاد من مصائب" والثانية" موقف بعض العسكريين من الأحزاب والحزبيين، التي لا تختلف كثيرا عن الرؤية التي يتبناها النظام، رغم إحساسهم بحاجة ملحة لقيام حياة ديمقراطية لم يكن الكثيرون منهم قد حددوا ماهيتها حتى ذلك الوقت. أذكر من أسماء الذين التقيت بهم في سجن أبو سليم الإخوة (موسى احمد) و(ادم احمد) و(عبد الكريم عبد ربه) و(على الحداد) كانوا محكومين بالسجن المؤبد كما كان يجاورنا في غرف مقـفـلة بشكل دائم (عبد الونيس محمود) و(عمر الحريري) و(احمد الزبير) و(المبروك الزول) و(عبد الغني خنفر) و(جاد المولى القبائلي) وآخرون ممن كانوا محكومون بالإعدام واستثنوا من عمليات التنفيذ التي جرت في السنوات الماضية، وكنا نتصل بهم عبر النوافذ التي تطل على الساحة كما كنا نتواصل معهم عبر ثقوب بجدران الحجرات الملاصقة لحجراتهم كنا نتخاطب عبرها ونتبادل الرسائل معهم وقد تكاتبت مع بعضهم كنا نستعمل أوراق علب السجائر واعتبروا تلك الرسائل من اهم ما كتبت وما وصلني منهم، خاصة من الأخ (عبد الونيس محمود) فقد كانت رسائل مليئة بمشاعر الود والمحبة والشوق بسبب الظروف التي كنا عليها بالسجن ولا اعتقد أن أيا  من تلك الكتابات موجودة بسبب التخلص منها بعد قراءتها للضرورات الأمنية. أن التواصل بين كل النزلاء كان قائما في كل حين حتى وصل الأمر إلى الاتصال بمجاورينا في العنبر الثاني، وقد شاركنا في الاحتفال مرة بحدث رائع تمثل بولادة طفل أوطفلة لست متأكدا من قبل إحدى السيدات المسجونات في ذلك العنبر، وكان ذلك مما يسهم في رفع الروح المعنوية وينشر جوا من التفاؤل والأمل ويوجد الإحساس بالنشاط والحيوية.

المرحوم موسى احمد:

توثقت بيني وبينه علاقة حميمية رغم أننا كنا نقيم في غرفتين مختلفتين فقد كنت ألازمه في الساحة خلال فترة التهوية كل يوم، نمارس الرياضة البدنية ونمشي سوية ونجلس للراحة والحديث وقد قص علي حكايته مع انقلاب 1969م، كيف عرفه شقيقه (مصطفى احمد)وكان ضابطا في الجيش ومن تنظيم الضباط الأحرار كيف عرفه على (القذافي والخروبي) وكيف قبل الانضمام إليهم والتعاون معهم وكان ذلك عام 1968م، أواخر العام أن صدق ظني، وحدثني عن دوره في تنفيذ الثورة وعن ذهابه (لدرنة) مساء الأحد 31/8/1969م، واستيلائه على الكتيبة الخامسة حيث كان يشغل مركز معاون الأمر بها، قبل تكليفه بلجنة التجنيد (بالبيضاء)، وكيف استطاع إقناع العقيد (صالح السنوسي) آمر الكتيبة بضرورة البقاء في بيته وأن يترك الأمور تأخذ مجراها، وكيف استطاع السيطرة على معسكر (قرنادة) للقوة المتحركة والذي كان يمثل القوى الضاربة للنظام الملكي في ذلك الوقت، كما تمكن من السيطرة على المرافق الحيوية (بالبيضاء) التي كانت تتواجد بها الحكومة الملكية في فترة الصيف، ولأهمية المهام التي كلف بها لم يعلنوا البيان الأول للانقلاب إلا بعد أن ابلغهم بان مهامه قد أنجزت بالكامل، كما بلغني عن ملابسات تعيينه بالوزارة  وكيف انه كان لا يريد دخول الوزارة وكان يرى أن الوزارة لا بد أن تتشكل من المدنيين، ولكنهم وضعوه أمام الأمر الواقع وأضافوا اسميهما (موسى وادم الحواز) إلى الوزارة التي كان قد شكلها (موسى احمد) نفسه برئاسة (محمود المغربي) وربما كانت هذه أول الخطوات لإبعاده عن الجيش بالترفيع، وكنت أقول له أنهم عينوكما اقصد (موسى والحواز) وزراء لإبعادكما من الجيش وليضعوا الترتيبات اللازمة للسيطرة الكاملة عليه. لقد كان رحمه الله لا يحبذ الانغماس في السياسة، وكان يرى انه بعد أن تسلم البلاد للحكم المدني ويطمأن على سلامة سير الأمور بها، سيذهب إلى الانضمام إلى (حركة فتح) للمشاركة في حركة المقاومة الفلسطينية وهو موقف رومانسي كانوا يشاركه فيه العديد من الشباب في ذلك الزمن. كما قص علي انه ذهب إلى (سوريا ولبنان) وهو وزير للداخلية وبقي هناك مدة شهر تقريباً أمضاها في قواعد الفدائيين هناك، كما قص علي قصة خلافه مع (عمر المحيشي)عضو مجلس القيادة بسبب مناصرة الأخير للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وإعطائه الإذن لها بالعمل في(ليبيا) دون علم وزير الداخلية صاحب ذلك الاختصاص حسب رأي (موسى) وهذا الخلاف فتح بينهما معركة كلامية وملاسنات سببت لكليهما متاعب وجروحا غائرا لم تفارقهما طيلة حياتهما، (موسى) كان يرى انه لا يستحق مثل هذا التطاول، وهو صاحب الدور الكبير في إنجاح الانقلاب، وخاصة من ضابط صغير برتبة ملازم لضابط برتبة مقدم، ولم يقم احد بكف (عمر المحيشي) عن هذا التطاول هذا من جهة ومن جهة (عمر المحيشي) فقد سمعت منه في احد أحاديثه الإذاعية عقب انشقاقه عن (القذافي) يبدي أسفه عن تلك المعركة وكان يتمنى لو انها لم تحدث. ربما كان ذلك الاحتقان الذي نشا عن هذه المعركة من الأسباب التي رجحت نسبته إلى حركة الاحتجاج التي حدثت في صفوف ضباط الانقلاب بعد ذلك، وهو ما سمي بمؤامرة (موسى احمد والحواز) إذ اتصل به الضباط المحتجون وعرضوا عليه سر حنقهم وغيظهم على (القذافي) وضباطه، وضرورة اتخاذ موقف سريع قبل فوات الأوان، لأنهم كانوا يرون أن هناك إجراءات يتخذها (القذافي) لا تفسير لها إلا أنها كانت عودة عما قطعوه على أنفسهم بضرورة عودة الجيش إلى ثكناته وتشكيل حكم مدني على أساس دستور وانتخابات نيابية وحريات عامة وكانوا يرون أن تركيز السلطة في يد (القذافي) داخل الجيش وتمكين جماعته وإبعاد غيرهم ممن لا يثقون في ولائهم، خصوصا من جماعة الشرق الموجودين (ببنغازي) حيث اتصلوا (بموسى احمد)وعرضوا عليه سر احتجاجهم، نصحهم بضرورة التمهل والتروي كما مر بنا في موضع سابق وكان يصر على صوابية موقفه للاعتبارات المذكورة وكان يقول انه يفضل أن يكون ضحية على أن يكون جانيا رحمه الله.

يتبع...

* إضغط (هنا) لمراجعة الحلقات

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل