أهم الأخبار

بشير الخلفي، في حديث عن سنوات الجمر وفنون التعذيب وسيكولوجيا الجلادين

ليبيا المستقبل | 2016/08/07 على الساعة 22:49

تونس - ليبيا المستقبل - حوار مريم الشاوش: دراقة.. يوميات سجين سياسي.. "دراقة" لفظ من المعجم السجني، استعاره الكاتب ليروي معاناته في مواجهة الاستبداد والقهر.. "دراقة" سرد للممارسات الشاذة داخل السجون.. "دراقة" كما عرفها كاتبها بشير الخلفي هي "عبارة عن ستار من القماش يُغطّون به السرير السفلي الذي تمارس فيه كل الممنوعات من لواط وزطلة (نوع من أنواع المخدّرات) وحبوب مخدّرة وما لا يخطر على بال إنسي"..  دراقة عرّى من خلالها الكاتب فصول القمع والإرهاب والإذلال والقتل الممنهج التي يتعرض لها سجين الرأي في معتقلات الهارب بن علي، بداية من الاعتقال مرورا بالتحقيق والتعذيب إلى السجن والسيلون (السجن الانفرادي)، وانتهاء بالقتل البطيء بعد الخروج من السجن الصغير إلى السجن الكبير والمراقبة البوليسية والمنع من العمل والاختلاط بالناس.. الكتاب يروي باختصار تجربة السجن وما قبله وما بعده.. "دراقة" سردية أخرى من السرديات التي لا تنتهي لأدب السجون في العالم العربي.
كل هذه التفاصيل وقضايا أخرى سنتعرض لها في هذا الحوار مع الكاتب بشير الخلفي السجين السياسي السابق الذي قضى 17 سنة في سجون بن علي الرهيبة وأطلق سراحه سنة 2007، وهو أحد مؤسسي جمعية "صوت الإنسان"، ويشغل، حاليا، خطة كاتب عام وناطق رسمي باسمها.

- لنبدأ بالعنوان "دراقة".. لم نتعرض سابقا لهذا المصطلح في أدب السجون.. ما المقصود به تحديدا؟ وما رمزيته ودلالته في الرواية؟
دراقة هي كلمة قديمة تستعمل في الفضاء السجني، وهي عبارة عن استعارة لكلمة درّاقة، التي كانت تستعمل في الريف التونسي، وهي تعني الستار الذي كان يفصل بين الأبناء والأب والأم في البيت. واستعمل هذا اللفظ في السجن ليفصل بين السجين وعالم السجن. عندما تسحب الدراقة يدخل السجين في عالمه الخاص به وينقطع عن العالم المحيط به، يعيش من خلالها السجين أجواء أخرى، سابحا في عالم من الذكريات، محلقا بروحه خارج ذلك الإطار المكاني. كما تمارس فيه عديد الممنوعات من انتهاكات على المستوى الأخلاقي من فاحشة ولواط. كما كانت تكتب فيه قصائد شعرية ومراسلات للقيادات كانت تخرج يوم الزيارة. من دراقة كانت تخرج صيحات يهتز لها عرش السلطان، انطلاقا من الدراقة كانت تخطط وتبرمج كل التحركات وإضرابات الجوع، الدراقة تختزن الكثير من الآلام والمعاناة والحزن الذي يعيشه السجين في المناسبات، في الأعياد عندما يعود بعد الزيارة، فإنه يتجه مباشرة نحو الدراقة ولا تسمع إلا صوت بكائه أو عند وفاة أحد أفراد عائلته فإن أول ما يفعله عند دخوله، الاتجاه نحو سريره وسحب الدراقة ولا تسمع حينها إلاّ صوت الأوجاع. دراقة باختصار هي عالم كامل داخل السجن. واستعملت كلمة دراقة في الرواية لرمزيتها ولتشابهها لما كان يمارسه بن علي على عموم الوطن. لو كان بإمكانه لبنى سورا على امتداد حدوده، ليحجب عنهم كل شيء ولا يريهم إلا ما يريد فبن علي استعمل عوضا عن ذلك الإعلام والقضاء والمثقفين والسياسيين الذين كانوا يزيفون الحقائق، هذه هي الدراقة أيام بن علي.
- في حوار لك على قناة التونسية وصفت بالتدقيق بعضا من مشاهد التعذيب، ولكن في الرواية لم تكن بهذا التفصيل والدقة، هل خانتك الذاكرة أم أن بشير الخلفي لا يقوى على كتابتها وتمريرها للقارئ لقساوتها؟
العكس تماما من أكثر الأشياء التي وقفت عليها ووصفتها بكل تفاصيلها وبدقة كبيرة هي عمليات التعذيب، حتى أني وصفت حالة الانفصام التي يعيشها الجلاد، بين الإنسان والجلاد وعبرت عن هذه الحالة بالأنسجلاد، هذا الأخير يسترد إنسانيته حين عودته إلى بيته وعائلته ويفقدها عندما يرى ضحيته التي يمارس عليها أقسى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، حتى إنه يكون مستعدا لقتلها. وذكرت هذا بالتفصيل في فصل التعذيب، فقسوة الجلاد ليس لها حدود، لدرجة أنه يفاحش ضحيته ليفقدها شموخها وعزتها ويذلها فقط ليحصل على المعلومة مهما كانت بساطتها. ما يميز دراقة أنه في كل فصل من فصولها تنتصر الضحية على الجلاد، ينتصر اللحم على العصا، وجب أن نبعث برسالة إيجابية للقارئ. مسألة النضال ليس مرتبطة بزمن معين أو بشخص معين، يمكن للاستبداد أن يطل علينا من جديد بحلة جديدة ونظام جديد وبأشخاص وعناوين جديدة، فلابد من أن يظل النضال حيا في وعي الناس. لا أريد أن يكون النضال ملتصقا بصورة قاتمة بصورة الانكسار حتى يمكننا التصدي للاستبداد. أذكر أنني في استنطاق لعصا الجلاد قلت: "يا عصا برغم التعذيب كسّرناك وهرب سيدك.. وبقينا هنا وماكنّاش من عبيدو ولا عبيدك". وسيأتي يوم تمحى من ذاكرة الشعب التونسي بفضل أحرارها.
- غياب آليات الردع والمراقبة وغياب الضمير والأخلاق والإحساس بانعدام أي حسيب أو رقيب على أجهزة الأمن، والحط من قيمة الإنسان، كلها عوامل ساهمت في تفشي ظاهرة التعذيب في المخافر والسجون العربية خاصة بعد الثورات العربية.. هل ترى أن المشوار مازال طويلا للتخلص من هذه الثقافة؟
ما نشهده اليوم من بشاعة، أكثر بكثير مما كان موجودا قبل الثورات العربية، وسائل الاعلام بمختلف اصنافها ومواقع التواصل الاجتماعي والمجتمع المدني، تشّهر بهذه الممارسات، مقارنة بما كان قبل الثورات العربية، ولكن ما مورس بعد الثورات العربية من انتهاكات ومس من الكرامة الإنسانية لا يمكن أن يستوعبه العقل العربي، عندما نتذكر، في مصر مثلا في اعتصام رابعة، شاهدنا الجرافات تقوم بدهس الناس، أو في سوريا أيضا ما كان يحصل من تعذيب وقتل وتنكيل في السجون وفي الزنازين وتحت الأقبية المظلمة، أصبحنا نشاهده علنا وأمام الجميع ويمارس وبكل بساطة أمام الكاميرات.  اليوم بعد الثورات العربية، ما كان يمارس على جزء كبير من أبناء الوطن العربي، وهم أصحاب الرأي وأصحاب النظرة المغاير لنظرة السلطان تحت الدراقة، أزيحت الدراقة وأصبح يمارس بكل وحشية أمام الكاميرات. المسألة تجاوزت بكثير مسألة التعذيب، أمام ما يجري في سوريا وما يجري في العراق (من عمليات التطهير العرقي) ومصر، أصبح التعذيب وكأنه نزهة مقارنة بما يجري الأن. أستحضر حادثة 1981 عندما وصلتنا رسالة من نساء سوريات قابعات في السجون المظلمة طلبن، وقتها لشدة ما تعرضن لانتهاكات واغتصاب، لا إخراجهن من هذا الجحيم بل هدم أقبية السجون فوق رؤوسهن، لبشاعة ما رأين وما مورس عليهن. بعد الثورات ما كان يمارس في الزاوية المظلمة أصبح يمارس علنا وتحت الأضواء، وهذه اعتبرها من المفارقات العجيبة للثورات العربية، هل أصبحت الثورات العربية لعنة؟ بالعكس اليوم ازيحت الدراقة وتعرت الأنظمة وبرزت بشاعة الصورة المجملة والمنمقة. وهذه تعتبر نتيجة طبيعية لأن المواطن، بعد الثورات العربية، يسعى لفضح مثل هذه الممارسات، السجون السرية والزنازين تحت الأرض، بسوريا والعراق، كلها كشفت.
- نعود إلى الأدب، كان من المتوقع أن تحدث الثورات العربية نقلة مهمة في أدب السجون وأن تتحرر الأقلام لتوثق معاناة أجيال، غير أن الإنتاج، بعد خمس سنوات، يبدو ضعيفا.. ما السبب؟
دراقة، وبكل تواضع، حرك عديد الأقلام والحمد لله، أنا أثني على من سبقونا، سواء فترة جيلبر نقاش مع كريستال، وفتحي بالحاج يحي وسمير ساسي وعبد الجبار المدوري وكل التجارب السابقة. ميزة دراقة أنها أصبحت كلمة رمز. دراقة عرفت عملية تسويق كبيرة على مستوى كامل تراب الجمهورية، كتاب دراقة مشى بين الناس، بعد دراقة تحررت الأقلام والكثير من الكتابات التي رأت النور لكن لم يقع التسويق لها بصفة فعالة. كل كتب على حسب نواياه. نحسب أنفسنا كتبنا للتشهير بالظلم وبالاستبداد. كنت أجلس بمقهى في حديقة البلفيدير من الساعة السابعة صباحا إلى الساعة العاشرة، ثلاث ساعات يوميا، لمدة ثمانية أشهر، بهدف الكتابة وكنت كل ما أتممت فصلا استشرت بعض الأصدقاء، ثم أتى بعد ذلك اختيار العنوان، دراقة، كان ضمن عشر اقتراحات، بعض من أصدقائي الذين استشرتهم عندما سمع لفظ دراقة قال لي أن الكتاب سيأخذ منحي غير الذي نريد، في حين شجعني راسم الغلاف وهو صديقي، وقال هذا هو عنوان الكتاب "دراقة". وبالمناسبة أتوجه إليهم بجزيل الشكر. أعتبر أن كتاب دراقة، أحدث ثورة داخل أدب السجون لا لشيء إلا لأنه حرّك السواكن واستفز الناس، حرّك المسكوت عنه، حرّك ما كانت تختزنه الذاكرة.
- هل سيواصل بشير الخلفي تجربته في أدب السجون؟
من خلال نشاطي بالمجتمع المدني وبجمعية صوت الانسان بالتحديد، اطلعت على عديد القضايا المهمة ومن بينها قضية الاختفاء القسري لكمال المطماطي. هذه القضية التي أصبحت مسكونا بها، أعتبرها تجربة حارقة، والتي على إثرها أصدرت كتابا حول الاختفاء القسري تحت عنوان "المدغور"، والتي تعني القتل والاخفاء. تناول الكتاب مشكلة الضحية بالتبعية والتي هي زوجة المدغور، التي أصبحت لا تعرف وضعيتها، وليس لديها صفة، إن كانت متزوجة ام أرملة أم مطلقة؟ هذا الكتاب يثير أثار الاختفاء القسري على محيط الضحية. من يتحمل المأساة ومن يجتر المعناة التي لازمته لأكثر من عقدين، هي العائلة والزوجة. وقد ساعدتني في كتابة ما تعرضت له وما عاشته زوجة المدغور، هي الكاتبة رحمة بن سليمان، والتي تعرفت عليها في اعتصام الصمود بالقصبة أثناء قيامها ببحث حول "القيمي والرمزي في تعذيب المعارضين السياسيين". وأعتبر أن الفصل الذي كتبته رحمة عن معاناة الزوجة فصل مهم بالكتاب. أعتبر أن كتاب دراقة هو الولادة الأولى لي، ولهذا الكتاب فضل كبير على مسيرتي. كما أعتبر أيضا ان كل من الكتابين، دراقة والمدغور، يمثلان جزءا مني. واجهت عديد المتاعب، متاعب على مستوى الكتابة ليس سهلا أن نكتب وبعد اتمامها يأتي مشكل الطباعة والتمويل، ثم التسويق للكتاب. أتذكر أن كتاب دراقة سجل أعلى نسبة مبيعات للكتب التونسية خلال 4 أشهر وفي معرض الكتاب 2015 حقق أعلى نسبة مبيعات للكتاب تونسي. في المقابل قمت بعديد الاهداءات. توجهت حتى لمجلس النواب قدمت إهداءات لكل الكتل النيابية، الجهات الحقوقية، وسائل الاعلام، ما يقارب 1000 نسخة قدمت إهداءات. أردت من خلالها أن أوجه رسالة إلى ابني مالك، "أن ما مورس على الشعب التونسي طيلة 5 عقود لا نريده أن يتكرر مع الأجيال القادمة، لا بد ان يقف. امنع نفسك من أن تكون ظالما وجلادا في نفس الوقت".
تجربة جديدة أخرى ستصدر في الأيام القادمة، عن المرأة المناضلة في تونس. تحدثت في هذا الكتاب عن المرأة بطريقة، ان كل امرأة تقرأ هذا الكتاب تجد نفسها فيه، بين أسطره وفي تفاصيله. لا أخص المعاناة، في هذا الكتاب، لعائلة معينة، او مرجعية فكرية معينة، عصا الجلاّد كانت عادلة بين الجميع لم تفرق بين إسلامي وقومي ويساري.
- ما أكثر مشاهد التعذيب التي ظلت عالقة بذاكرتك بعد هذه السنوات؟ وهل مشاهد القسوة والحط من إنسانية الإنسان تظل تلاحق الذاكرة أم أن الزمن كفيل بطيّها؟
يستحيل على أي انسان دخل المؤسسات الأمنية، ومؤسسة القهر، وتم تجريده من كل ملابسه ومورس عليه التعذيب، ان ينسى بسهولة. مهما كتب، ومهما كانت دقة التفاصيل، فلن يرتقي الوصف إلى حجم وقوة المعاناة التي يعيشها الانسان لحظة التعذيب. أن يترك الانسان مجردا من ملابسه ومعلقا لمدة تفوق عشر ساعات، والجلاد "يقتل فيه عرق بعد عرق" ليستخرج منه معلومة مهما كانت ضآلتها، عملية في غاية القسوة، وفي غاية الوحشية. في تلك الحظة، يجرد الانسان من انسانيته، ينتابه شعور بضآلته وصغر حجمه. مع كل جلدة يشعر بالموت يقترب منه، يعيش الألم في أعلى درجاته.
عشت تجربتين، الأولى سنة 1987 مع الجلاد الطّاهر المشهور بـ"كي جي بي"، وسنة 1991 مع الجلاد محمود الجوادي، الأوّل قتل عددا كبيرا تحت التعذيب، كنت مدركا وعلى يقين أنني في أي لحظة سأموت تحت التعذيب، خاصة أنه تم اعتقالي على إثر تنظيم أكبر مسيرة في جويلية 1987، مع اكتشاف أن محيطي العائلي مطلوب لدى البوليس، تضاعف التعذيب، شعرت بالموت عديد المرات. وسنة 1991، بعد ما ألصقت بي كل القضايا التي وقعت بالعاصمة، كنت حينها، أخطط وأشرف على كل التحركات بقناعة وبإرادة مني، لا أبالغ إن قلت لك أن المئات من الذين تم اعتقالهم ذكروني باسمي في التحقيق كمنظم ومشرف على كل التحركات والمظاهرات، كل هذا ضاعف من خطورة وضعي، حتى عندما عرض عليا التخفي رفضت، وكنت أحضر محاكماتي غيابيا، كنت أرفض رفضا قاطعا أن يقع اعتقالي وانا متخفي. والحمد لله اعتقلت وانا أقوم بحماية آخرين، كل هذه الأسباب ضاعفت من عملية التعذيب التي تعرضت لها. حتى أن أخي عبد الحميد عندما خرج بعد اعتقاله وبعد ما تعرض له من تعذيب وتنكيل، قال لي "إما أن تموت تحت التعذيب أو أنك ستعترف بكل الأسماء وكل التفاصيل"، والحمد لله لم يحصل لا هذا ولا ذاك ولم أذكر أي اسم من الأسماء رغم قساوة ووحشية ما تعرضت له، بل بالعكس عندما اشتد تعذيبي توجهت للجلاد قائلا: لن تأخذ مني إلاّ ما قد قمت ببرمجته لتأخذه". أعتبر أنّ لحظة التعذيب، هي معركة بين الجلاد والضحية، بين العصا واللحم، يتنصر في آخرها الضحية.  
- هل وجد بشير الخلفي، بعد الثورة، آليات حقوقية وطبية ونفسية وقانونية لمعالجة آثار التدمير المعنوي والمادي الذي تعرض له؟
للأسف الشديد، الذين تعرضوا لأكبر قدر من العذيب والذين دفعوا الضريبة، لا يزالون إلى حد الآن يعيشون في مربع المعاناة والقهر، في نفس الوضعية، لم تتغير بالمرة. لن أتحدث عن بشير الخلفي، سأتحدث عن عموم الناس. هناك من هو مازال يعاني ما خلفه له التعذيب من أمراض، مازال هناك من يموت من آثار التعذيب والأمراض دون أن يتلقى أي علاج او مساعدة، مازال هناك من لا قوت لهم ولا عمل يؤمن لهم ذلك. وما يحز في نفسي أن من كان يعطي الأوامر ويخطط، خرج من هذا المربع وقطع مع الماضي، دون تصفية التركة. هناك تركة يجب تصفيتها. صحيح اننا نعيش معاناة ولكن هذه المعاناة لا ترتقي إلى معاناة أم فتحي الزريبي التي تقول "نحب يسلموني عظام ولدي باش نعاود ندفنها"، لا ترتقي إلى مستوى معاناة زوجة كمال المطماطي الذي تم قتله واخفاؤه من قبل الدولة. لا ترتقي أيضا إلى مستوى معاناة عرش كركر الذي ينتظرون رفات مصطفى حسين لإعادة دفنه، وأمثالهم كثر. أنا أعتبر من الأخلاق، ان من خطط ودفع بمن هم طلبة وتلامذة ومن عامة الشعب إلى الخروج إلى الشارع، من دفع بهم إلى المحرقة، أن يعيش نفس المعاناة التي يعيشونها، وإلى حد الآن، ولكنه قطع مع المعاناة، ووجد لنفسه مكانة، وتسلم مناصب وزارية وحسن من وضعيته ووضعية عائلته وأقاربه وحتى أصهاره، ونسي من كان يناديهم بأبنائه، اليوم نراه قد تخلى عنهم. مما يجعل احساسهم بالقهر مضاعفا. الثورة لم تنصف بعد أبناءها، لم تعد الاعتبار لمن قدموا حياتهم ثمنا. اليوم أن تتصالح مع الدولة فذاك حقك، ولكن لا يجب أن يكون ذلك على حساب معاناة الناس، وجب عليه أن يخلصهم من ارث المعاناة، من ارث القهر، من الأمراض التي يعانون منها. العشرات منهم ماتوا جراء الإهمال على جميع المستويات، كل الذي يقدرون عليه، هو المشي في جنائزهم، ونحن نقول لهم لا تمشوا في جنائزنا. اليوم نرى أحزابا من الحجم الكبير تحكم البلاد، كان أولى بها أن تتصالح مع نفسها ومع ماضيها ومع ما سببته لأبنائها من قهر ومن دمار.
- هل تقصدون حزب حركة النهضة؟
كل الأحزاب دون استثناء، لأن هناك من أصدقائنا من اليسار لا زالوا تحت وطأة المعاناة. وعدد كبير من القوميين، تجربتي في المجال الحقوقي بجمعية صوت الانسان، جعلتني أتعرف على جل هذه العائلات، المسألة هي مسألة إنسانية أكبر من الانتماءات الحزبية. أرى بعض الكتابات التي تصدر ولكنها للأسف الشديد عندما تتصفحها تجدها كماء الوضوء ليس لها طعم ولا رائحة ولا لون، جافة. يريدون القطع مع الماضي بكل ما يحمل من ألم وقساوة.
- تتعرض هيئة الحقيقة والكرامة المعنية بالعدالة الانتقالية لعراقيل كثيرة في عملها الهادف لكشف حقيقة ستين سنة من المظالم.. هل ترى أن هذه الهيئة قادرة على هذا الدور المهم في ظل هذه الظروف؟
محاور أحاديثنا، اين ما ذهبنا هي العدالة الانتقالية، الهيئة، الضحايا، التجاذبات داخل الهيئة، المناوئين الخصوم الذين يسعون إلى تدمير هذا المسار. أصبحنا مسكونين بها. لو أن كل انسان يحاسب نفسه ماذا قدم للعدالة الانتقالية، ماذا قدم للضحايا، ماذا أضاف للمسار من خلال موقعه داخل الهيأة او حتى خارجها؟ سيكتمل المسار. نحن كجمعية آلينا على أنفسنا أن نصل بمسار العدالة الانتقالية إلى بر الأمان. هذا المسار يمثل أملا وحلما للكثير، وقدرنا أن ينجح، مسار يحمل الكثير من التحديات. جمعية صوت الانسان كان لها دور في استنهاض الهمم ودفع الضحايا لتقديم ملفاتهم، لان الدولة والمؤسسات والحكومات المتعاقبة ارهقتهم بتقديم الملفات. وكانت الأولوية في تقديم الشهادات، والتي أعتبرها شهادة للذاكرة التونسية، للمرضى أولا والمتقدمين في السن نقوم بنقلهم إلى جلسات الاستماع للإدلاء بشهاداتهم. ثم وجدت الوحدات المتنقلة، فكنا نساعدهم في الوصول إلى عائلات الضحايا. رغم استهداف المسار من قبل العديد وكل المؤامرة التي دبرت، رغم ذلك تمكنا من التصدي لها، وكانت انطلاقتنا، من أول حراك قمنا به أمام مقر هيئة الحقيقة والكرامة، ورفعنا أصواتنا مطالبين الهيئة بالارتقاء بأدائها إلى مستوى معاناة الناس. وجدنا تجاوبا من رئيسة الهيئة. نحن ندافع عن مسار الضحايا لا عن الهيئة، فهي تدافع عن نفسها.
هناك تواصل بين المجتمع المدني والهيئة. عندما حوصر المسار وحوصر الأرشيف تمكنا كجمعية من فك هذا الحصار، وأصبحت الاجتماعات تنظم خارج المقر وكلها موثقة. كلما حاولوا أن يصيدوا إلا ووجدنا منافذ أخرى. لن نستسلم وسنواصل، عشنا فترات كبيرة في السجون، لم نكن نستسلم كنا نحارب ونكسب المعركة ضد الجلاد. ليس لدينا ما نخسره، حتى وإن ضرب المسار فلن نترك المعركة سنواصل خوضها، ولدينا القدرة على ذلك.
- دخلت حركة النهضة، الآن، في تحالف سياسي مع من يفترض أنهم مارسوا على أنصارها وقياداتها هذا الكم من التضييق والتنكيل والتعذيب لعقود طويلة.. كيف يقيّم بشير الخلفي هذا الخيار السياسي؟
وجب تعديل السؤال أولا، مارسوا على أنصارها والمنتمين والمتعاطفين كم هائل من التضييق والتنكيل والتعذيب، لأن القيادات للأسف الشديد لم تكن قيادات داخل السجن، لم يكونوا في مستوى مسؤولياتهم، كل التحركات طيلة 20 سنة لم تكن وراءها القيادات، كان يقودها الطلبة والقادة الحقيقيون في الميدان. كانوا قيادات للندوات الصحفية للقاءات، للمناشير. أذكر أنهم منعونا في السجن من أن نصلي صلاة الفجر في وقتها، وأذكر أيضا أن أحد القيادات، وقيادي تحصل على منصب رئيس حكومة وتقلد مناصب وزارية أخري خلال سنة 2013، نفذ القرار في حين الطلبة والناس البسطاء عارضوا القرار وبشدة "لن تفرضوا علينا كيف تكون علاقتنا بالخالق"، وعانوا وقتها من السيلون (السجن الانفرادي) واضرابات الجوع وغيرها من أساليب التعذيب والتنكيل، لكنهم لم يستسلموا. وإن قدر له وقرأ هذا الحوار فسيعرف نفسه.
- ألم يذكر اسمه في دراقة؟
لا لم يذكر ولكني بصدد الاعداد لكتاب آخر يحكي عن اعتصام الصمود، هذه صورة ليوم الغضب في القصبة، آلاف اجتمعت في القصبة في ذاك اليوم، رئيس الحكومة الذي كان يتزعم أحداث سنة 1987و1990 و1991، أمر حراسه أن يشهروا في وجوهنا الأسلحة في وجوه أنصاره، في وجوه من كان يأمرهم للخروج ضد نظام الاستبداد، الأنصار الذين دخلوا السجن بسبب سياسات وتوجهات هم رسموها، ليس هذا فقط فقد تم فض الاعتصام باستعمال الغاز المسيل للدموع الذي لم يجرؤ أي رئيس حكومة على استعماله لفض أي تحرك، كما تم إيقاف بعض المعتصمين. من المفارقات العجيبة "الثورة تأكل أبناءها"، من يقطف ثمار الثورة ليسوا هم من قدموا التضحيات. النهضة التي تتحدثين عنها فيها أعوان موظفون، لا مناضلين، يتلقون رواتب. الآن هم يتلقون رواتب وأبناؤهم وعائلاتهم، يمتلكون السيارات الفاخرة. أصبحت لهم مكانتهم السياسية والاجتماعية ويحاولون تمرير أو صبغ هذه المكانة لأولادهم وفروعهم. في حين من كان يتلقى الأوامر وينفذ لازالوا هم وأولادهم في مربع المعاناة لم يخرجوا منه.
بالنسبة للنهضة من حقها أن تتحالف مع من تريد، لكن ليس من حقها أن تكون هذه التحالفات على حساب حقوق المستضعفين، والذي عاشوا وتجرعوا المعاناة، الذين نسوهم في أغانيهم ومحافلهم ومؤتمراتهم ومنتدياتهم وفي جلساتهم.
هدم سجن 9 أفريل ماذا يعني لك؟
بني ذلك المعلم سنة 1903، بني قريبا من المحكمة، الهدف منه كسر إرادة المناضلين من اجل الاستقلال من اجل دستور تونسي، من اجل برلمان تونسي، ولم تفلح فرنسا. "الخروبة" التي أعدم بها عديد المناضلين ضد الاستعمار، أعدم بها العديد من المناضلين ضد الاستبداد. هذا المعلم، أعتبره كنزا للذاكرة الوطنية وشاهدا على الجرائم التي ارتكبها بن علي، الذي قرر هدمه في محاولة منه لطمس واخفاء اثار جرائمه. لن نغفر له جرائمه، مهما حاولوا تلميع صورته فهو انسان جاهل حكم بالحديد والنار، سنجعل منه اسطورة؟ بن علي انسان مجرم هذا هو الوصف الذي يناسبه. سنعيد بناء سجن 9 أفريل ليكون معلما. من المفارقات العجيبة يوجد هذا السجن بين مستشفى العيون، والذين يخرجون من السجن يكونوا فاقدي البصر، ومستشفى الأطفال، الأطفال الذين انتزع منهم السجن اباءهم، ومستشفى الأمراض الخبيثة، ومن يخرج منه يكون قد أصيب بورم خبيث، معهد التغذية والموجود بالسجن فاقد للتغذية، تحيط به مؤسسات صحية وهو أكبر مدمر للإنسان وصحة الانسان. سنعيده ليكون مركزا لإعادة تأهيل من تعرضوا للدمار، ويكون متحفا للذاكرة الوطنية.
تقييما لمسار حركة النهضة، هل تعتقد أن من دفع للمحرقة كوفئ بتصدر المشهد اليوم؟
المشهد قاتم يحمل الكثير من الضبابية، بن علي أحاط نفسه بعدد من رجال الأمن وفي غفلة من الجميع قام بانقلاب، نفس الشيء تقريبا بعد الثورة مجموعة من الأشخاص من ضمن الجيش الكبير الذي دخل السجون، اتفقوا وكونوا حزبا، واستحوذوا على المناصب، حتى من وعد بعدم تقديم ترشحاته في الدورة المقبلة وجدناه وزيرا، بل رئيس حكومة. بلغني أن راشد الغنوشي غير وقام بثورة خلال المؤتمر الأخير نتمنى أن هذه الثورة تلقي بضلالها على الضعفاء والمستضعفين ويعيدوا لهم اعتبارهم.

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل